في غزة.. زراعة بطعم الخوف وحصاد بطعم الموت

 

لم يكن المزارع فريد السميري (38 عاماً) يعلم أن مهنة الزراعة التي ورثها عن والده ستشكل خطرا حقيقيا يهدد حياته كل يوم يتوجه فيه إلى أرضه الزراعية المتاخمة للشريط الحدودي، شرق بلدة القرارة شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

فما إن يقترب من أرضه صباح كل يوم، حتى تبدأ قوات الاحتلال الإسرائيلي المنتشرة على طول الخط الحدودي، المقابل لأرضه بإطلاق النار في الهواء تارة، وتارة أخرى على أرضه لمنعه من الدخول فيها لزرع أو حتى حصاد ما زرعت يداه.

صحيفة "الحال" رافقت مزارعي الحدود الشرقية من جنوب قطاع غزة، في جولة من جولات الهروب من رصاص الاحتلال، والموت الذي يكون قاب قوسين أو أدنى من حصد أرواحهم.

 

طعم الرصاص

فيقول المزارع السميري: "لا يكاد يمر علينا يوم واحد إلا ونتعرض بصورة مباشرة لإطلاق النار من قبل جيش الاحتلال، ما يشكل خطرا كبيرا على حياتنا أو على ضياع المحصول الزراعي بأكمله، نظراً لعدم قدرتنا على الحصاد أو الزرع تحت رحمة الرصاص".

ويضيف لصحيفة "الحال": "في السادسة من صباح كل يوم يبدأ المزارعون في التوجه لأراضيهم الزراعية، وأحيانا يصطحبون بعض الشخصيات الدولية والحقوقية ومن الصليب الأحمر الدولي في محاولة للسماح بدخول أراضيهم دون مضايقة من الاحتلال، إلا أن ذلك لا يجدي نفعاً بكل الأوقات".

ويوضح أن في أرضه التي تبعد فقط 20 متراً عن الشريط الحدودي ولا تتجاوز مساحتها الـ 3000 متر، أصيب أكثر من 5 مزارعين برصاص قوات الاحتلال، أحدهم بترت قدمه بالكامل". ويضيف: "حياتنا معرضة للموت بأي لحظة وجيش الاحتلال لا يحترم أحداً، وكل محاصيلنا الزراعية مهددة إما بالتلف لعدم سقايتها بالماء أو الحرق من قبل الاحتلال".

ويتحدث المزارع السميري عن معاناة أخرى إضافة للرصاص والحرق، وهي ما يقوم به الاحتلال برش الشريط الحدودي بمواد كيميائية، وتقوم الرياح بنقلها تجاه الأراضي الزراعية وتقتل كافة المحاصيل المتواجدة فيها.

ويقول: "نصمد على أرضنا ونزرعها رغم كل المخاطر، لأنها مصدر الرزق الوحيد لعائلتنا، والاحتلال العائق الأكبر، لكن ليس بيدنا حيلة غير الهروب والخروج من أرضنا والعودة لها مجدداً".

وخلال تجوالنا في المنطقة الحدودية، شهدت المنطقة توغلا محدودا صاحبه إطلاق نار مكثف من قبل الجيش الإسرائيلي على طول الشريط الحدودي ومكبرات الصوت الإسرائيلية تردد جملة "ابتعد كي لا تموت"، ما دفعنا للهروب من كثافة تلك النيران باتجاه المنطقة الشرقية.

وحسب اتفاقية أوسلو، فإن المساحة الأمنية العازلة تعادل فقط 300 متر على طول حدود قطاع غزة مع أراضي 48، إلا أن الاحتلال زاد من هذا المساحة حتى وصلت في بعض المناطق إلى كيلومترين وأكثر.

 

خسائر فادحة

معاناة المزارع السميري مع الرصاص، كانت أقل وطأة من المزارع صالح مهنا (29 عاما)، حين تحدث عن إصابة شقيقة الأكبر برصاصة من جيش الاحتلال في عموده الفقري أدت إلى شلله بشكل كامل، خلال عام 2013، وهو داخل أرضه الزراعية.

ويقول لصحيفة "الحال": أخي لا يزال يتلقى العلاج وأرضنا الزراعية لم نتمكن من الوصول لها منذ أكثر من 10 شهور متواصلة، وتعرض جزء كبير منها لعمليات تجريف من الجرافات الإسرائيلية التي عادة ما تتوغل في منطقة شرق القرارة وتستقر الجرافات والدبابات داخل أرضه.

ويضيف مهنا: "لم أتكمن من الوصول لأرضي وكافة المحاصيل الزراعية التي تمت زراعتها خلال عام كامل فسدت وقدرت خسائرنا بأكثر من 70 ألف دولار حتى اللحظة، ولا أحد يعوضنا".

وناشد كافة المؤسسات الحقوقية والدولية إنصاف المزارعين الفلسطينيين، وتقديم كل الدعم المالي لما تمت خسارته بسبب إجراءات إسرائيل، وكذلك ضمان عدم استهدافهم داخل أراضيهم الزراعية وعدم تعرضهم للخطر وإطلاق النار أو حتى الاعتقال.

 

رسائل لمصر

من جانبه، أكد بسام الصالحي، عضو الوفد الفلسطيني في مفاوضات وقف إطلاق النار "التهدئة" في القاهرة، أن الجانب الإسرائيلي وعبر استهدافه المتكرر للمزارعين، خرق بنود اتفاق التهدئة ووقف إطلاق النار الذي جرى التوصل له بعد حرب استمرت 51 يوماً في غزة.

وأوضح الصالحي، لصحيفة "الحال"، أن انتهاكات إسرائيل بحق المزارعين تتواصل بشكل يومي، رغم اتفاق التهدئة، وذلك يعد انتهاكا غير مقبول من قبل الجانب الإسرائيلي، الذي يتعمد استهداف المزارعين والتنغيص على حياتهم ولقمة عيشهم.

وأشار إلى أن انتهاكات إسرائيل بحق الفلسطينيين نقوم بتسجيلها وتدوينها بصورة رسمية لعرضها خلال جلسات الحوار المقبلة لمفاوضات وقف إطلاق النار في القاهرة، وعرضها على المسؤولين المصريين.

وذكر أن تلك الخروقات يجب أن تناقش جيداً مع الوسيط المصري والأطراف الدولية المعنية، لوضع حد لانتهاكات إسرائيل المتكررة لاتفاق التهدئة، وتفعيل ملف المفاوضات من جديد في القاهرة.

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018