سوسيا.. حكاية الخيام التي واجهت تسونامي التهجير

 

يعيش سكان قرية سوسيا جنوب شرقي يطا حالة من القلق والتوتر الدائم نتيجة قرار المحكمة الإسرائيلية بهدم القرية وتهجير سكانها لصالح توسيع المستعمرة التي أقيمت على أراضيها. ويبدو أن جرافات الهدم الإسرائيلية ستظل جاهزة للانقضاض على القرية، إذا أتيحت لها فرصة "قانونية" من محاكم الاحتلال.

ويتوقع سكان القرية أن تداهم قوات الاحتلال سوسيا في أية لحظة تمهيداً لتشريد أهلها البالغ عددهم 340 نسمة يسكنون الخيام، لصالح ضمها إلى البؤرة الاستيطانية الموجودة في المنطقة، بعد أن أعلنت أن المنطقة موقع أثري على السكان مغادرته.

 

ثلاث موجات تهجير

بدأت القصة حسب رئيس مجلس محلي سوسيا جهاد النواجعة عام 1986، أي بعد ثلاث سنوات من إقامة مستوطنة سوسيا، حين أصدرت سلطات الاحتلال قراراً بتهجير سكان القرية من أراضيهم الزراعية، بعد أن ادعت أن موقع القرية الأصلي هو موقع أثري، وأجبرتهم في حينه على مغادرة المكان. السكان الذين لم يجدوا لأنفسهم ملجأً أعادوا بناء منازلهم في مكان قريب، وسكنوا الخيام والعرائش والمغارات قبل أن تهاجمهم قوات الاحتلال مجدداً عام 2001، وتهدم منشآتهم وتغلق الآبار التي كان الفلسطينيون يشربون منها. اليوم يلاحق جنود الاحتلال سكان سوسيا داخل خيامهم ويطالبونهم بالرحيل عن المكان، وتمنع إمدادهم بالماء والكهرباء في الوقت التي تدعي فيه أن عدم وجود بنية تحتية للقرية هو السبب في ترحيلهم.

وكان مستوطنون متطرفون من مستوطنة سوسيا قد توجهوا سابقاً للمحكمة العليا في إسرائيل بدعم من منظمة استيطانية متطرفة من أجل استصدار قرار بتوسيع مستوطنتهم على حساب القرية، مدعين أن القرية العربية هي مستوطنة عشوائية يقيمها العرب على أراضي مستوطنتهم. ويحاول المستوطنون بذلك أن يوسعوا حدود مستوطنتهم وأن ينشئوا المتنزهات لأطفال المستوطنين.

ادعاء المستوطنين هذا جاء بعد أن رفضت إسرائيل الاعتراف بالقرية، ما مكنهم -بحسب أهالي سوسيا- من منع أهالي القرية من تشييد منازل لهم أو توصيلهم بخطوط المياه والكهرباء، كما رفضت إسرائيل إعطاءهم تصاريح للبناء في المنطقة، على اعتبار أن القرية تقع في منطقة ج الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

 

لا ماء ولا كهرباء

يقول الحاج محمد أحمد النواجعة وهو أحد سكان القرية منذ خمسينيات القرن الماضي إن القرية لم يكن فيها بئر ماء، ولا أي مصدر للكهرباء، فقام أهالي القرية بجهود شخصية بحفر الآبار، وساعدتهم إحدى المؤسسات الأجنبية المتضامنة مع الفلسطينيين على تركيب نظام للطاقة الشمسية يوفر لهم بعض احتياجاتهم من الكهرباء علماً أن خط الكهرباء المغذي للمستوطنة القريبة والموقع الأثري الذي يؤمه السياح اليهود والأجانب يمر عبر سماء القرية، دون أن يسمح لهم بالحصول على خط يوصل الكهرباء للقرية.

وبحسب الحاج محمد فإن الأمر لا يقف هنا، بل تعداه إلى هدم الآبار التي أنشأها الفلسطينيون، وتخريب أنظمة الطاقة الشمسية بهدف إجبار الفلسطينيين على مغادرة القرية، والتوجه إلى مناطق تخضع للسيطرة الفلسطينية، الأمر الذي يرفضه سكان القرية، ويصرون على مواجهته بالبقاء على أرضهم حتى الرمق الأخير.

 

سوسيا ليست وحدها

يقول الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، إن العالم الآن أصبح يعرف سوسيا باعتبارها رمزاً للتصدي لظلم الاحتلال وجبروته، وباعتبارها تجسيداً للمعاناة الفلسطينية المتمثلة في صدها محاولات الاحتلال تهجير السكان.

ويضيف البرغوثي أن الفلسطينيين في سوسيا وحركات المقاومة الشعبية لن يسمحوا للاحتلال أن يتحايل على صمود أهل القرية، لذلك فإن الدعم الشعبي هو رسالة لأهالي القرية بأنهم ليسوا وحدهم، وإذا ما أقدم الاحتلال على هدم سوسيا فإن الفلسطينيين سيعيدون بناءها من جديد.

وأشار البرغوثي إلى أن دور المقاومة الشعبية وحركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها هو أن تتمازج لدعم صمود الناس في المناطق المهددة بالتهجير خاصة إذا توحد الفلسطينيون في مواجهة إسرائيل وانتهى الانقسام.

المتضامنة الاسترالية نتاشا، التي تعمل في مجال المياه، قدمت إلى سوسيا للتضامن مع أهلها بعد أن علمت عن نقص المياه الذي تعانيه القرية بفعل الاحتلال، الأمر الذي دفعها إلى أن تأتي لزيارة القرية لمحاولة إيجاد حلول لتزويد القرية بالمياه.

وتضيف المتضامنة اليهودية أن الحملات الدولية الداعمة لصمود أهل القرية ستدفع بالاحتلال إلى التراجع عن قراره بهدم القرية وتشريد أهلها، وبالتالي فإن هدف هذه الحملات هي حشد الدعم والتأييد لسكان القرية، والضغط على إسرائيل بهدف منعها من تنفيذ مخططاتها العنصرية.

 

الفاعل مجهول!

وبالرغم من أن قرارات الهدم التي ستطول خيام ومنشآت سكان القرية على وشك أن تنفذ، إلا أن الفلسطينيين فيها يصرون على البقاء في أرضهم والمقاومة حتى آخر نفس. كما يصرون على مواصلة المعارك القضائية ضد سلطات الاحتلال والمستوطنين، فمن بين 200 شكوى قدمها أهالي القرية خلال السنوات الماضية لشرطة كريات أربع ضد اعتداءات المستوطنين التي تتضمن اقتلاع أشجار، والتهديد، والرشق بالحجارة، والتسبب بإضرار الممتلكات، لا يزال التحقيق جارياً في ثلاث قضايا فقط، أما باقي الشكاوى فقد تم إنهاء التحقيق فيها بحجة عدم وجود أدلة، وقد أغلق الاحتلال هذه القضايا تحت بند "ضد مجهول" ودون إصدار لائحة اتهام بحق أي مستوطن.

 

*طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018