الحاج الكركي.. أقدم عامل في آخر مصنع لصناعة الكوفية في فلسطين

 

لأكثر من اربعة عقود ونصف العقد، عاش الحاج عبد العزيز الكركي حياته الحرفية في مصنع الحرباوي للنسيج، الذي يصنع الكوفية الفلسطينية في مدينة الخليل، ودون كلل أو ملل يؤكد الكركي في كل مناسبة، أنه سعيدٌ جداً في عمله، وأنه لولا سعادته لما استمر في هذا العمل لمدة طويلة.

يقول الكركي: "بدأت العمل في هذا المصنع عندما كان عمري خمسة عشر عاماً، خرجت من المدرسة بسبب ظروف العائلة، وبدأت بالبحث عن عمل، إلى أن وجدت مصنع الحرباوي، فكنت بذلك من أوائل من عملوا هنا، لأبدأ وقتها رحلة العمل في نفس المكان لمدةِ خمسةِ عقود، ما زالت مستمرة حتى الآن".

ويضيف: "أعانني المصنع منذ بداية حياتي على الانفاق على نفسي في سن مبكرة، إذ كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولاحقاً على إعالة عائلتي المكونة من ثمانية بنات وولدين، ولكن مع طول العشرة مع هذا المصنع لقد أصبحت أشعر أن هذا المصنع هو بيتي وأن هؤلاء العمال هم إخوتي، وساعدني على ذلك تعامل إدارة المصنع معي، حيث إن العلاقة بيننا قوية جداً".

وعانى المصنع خلال الأعوام 2008 – 2012 من صعوبات في المنافسة، بسبب غزو البضاعة الصينية للأسواق الفلسطينية، أدت إلى إغلاقه بشكل جزئي، ما استدعى الاستغناء عن جميع عماله، ولكنه أبقى الحاج عبد العزيز الكركي وحده لتشغيل الآلات في تلك الفترة، من أجل الإبقاء على معدل إنتاج مستمر، حتى وإن كان منخفضاً.

ويعلق الحاج على ذلك: "كانت تلك المرحلة الأصعب منذ بداية عملي هنا، فقد كان الانتاج قليلاً، وكان هناك العديد من المشاكل التي تواجهنا في اليوم الواحد، كانت فترةً صعبة علي وعلى الإدارة، ولكننا واجهنا بعزيمة وإصرار، وأضفنا المزيد من التقنيات في عملنا، ما قدّم جودة أفضل إلى منتجاتنا، فأخذت تعود شيئاً فشيئاً إلى السوق، إلى أن تعافى المصنع مما أصابه".

وطوال وجودنا داخل المصنع، كان صوت الآلات مزعجاً بالنسبة لنا، ومعيقاً لإجراء المقابلة، ما دفعنا إلى سؤاله عنه، ليرد قائلاً: "لقد أصبح هذا الصوت بالنسبة لي صوتاً عادياً، وجزءاً من حياتي اليومية، فأنا أسمعه منذ 46 عاماً بشكل يومي، لم أعد أتضايق منه كما هو حال من لم يعتد عليه، معظم العمال الذين يأتون هنا يشعرون بالضيق الشديد في بداية عملهم، يستعملون السماعات للتخفيف من أثره، وشيئاً فشيئاً يبدأون بالاعتياد عليه".

ويعلق جودت الحرباوي مدير المصنع وابن مؤسسه على تجربة الكركي فيقول: "لدينا 15 عاملاً من ذكور وإناث في الوقت الحالي، ومئات العمال على مدار عُمر المصنع، ولكن الحاج عبد العزيز هو الأقدم على الإطلاق، فهو من أوائل من عملوا هنا، هذا إن لم يكن الأقدم في جميع المصانع الفلسطينية، فأنت لا تجد دائماً من يعمل بتفانٍ طوال هذا المدة، ودون كلل أو ملل".

ويضيف: "عندما يكون هناك تراخٍ من أحد العمال سيكون هناك أضرارٌ على المصنع، فآلات المصنع بحاجة إلى المتابعة المتواصلة، ونحن لسنا مضطرين لتشغيل أحدٍ سيعيق انتاجنا، ولو لم يكن الكركي مثالاً للعامل الجيد لما استمر في العمل هنا كل هذه المدة، كما تمت ترقيته لثقتنا به ولخبرته في هذا المجال، فقد بدأ عاملاً عادياً في بدايته، إلى أن أصبح من المشرفين على العاملين الآخرين في العمل".

وبدأت الكوفية تنتشر في الثقافة الفلسطينية بدءاً من عام 1936، عندما أقدمت حكومة الانتداب البريطاني وقتها على الإعلان بأن كل من يرتدي الكوفية سيعتبر معارضاً وسيتم عقابه، ما دفع قيادة الثورة إلى إصدار تعليماتٍ تدفع كل الفلسطينيين إلى ارتدائها، رداً على قرار حكومة الانتداب.

ويتحدث الكركي عن دوافع فخره للعمل في هذا المكان فيعدد الأسباب قائلاً: "أولاً هذا مصنع للكوفية الفلسطينية التي شكلت جزءًا من الوعي والثقافة الفلسطينيين، بدءاً من ثورة عام 1936، مروراً بالنكسة وإلى ما بعدها فقد ارتداها الشهيد ياسر عرفات، ويلُف بها كل الشهداء، كما يرتديها الأجانب للتعبير عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، لتصبح رمزاً لكل ما هو فلسطيني". 

ويضيف: "ثانياً هذا المصنع هو أقدم وآخر مصنع لصناعة الكوفية في فلسطين، إذ لا يوجد أي مصنع مثيل في الضفة الغربية ولا في غزة، وهو الأقدم من بين التي كانت في السابق، إذ تم افتتاحه في عام 1961، على يد الحاج ياسر الحرباوي، الذي ما زال يدير المصنع حتى اليوم".

وينتج المصنع - إلى جانب الكوفية التقليدية – الكوفيات الملونة، وعدداً من المنتجات التراثية مثل المطرزات، ويشتمل مبنى المصنع على بازارٍ كبير تعرض فيه المنتوجات التي يتم انتاجها أولاً بأول، وتنظم بين الحين والآخر زيارات كثيرة، وخاصةً من الدول الأجنبية التي يذكر القائمون على المصنع أنه لها الحصة الأكبر في الحصول على المنتجات إذا ما قُورنت بالبيع داخل فلسطين.

 

*خريج حديثًا من دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018