أسامة خليف الأول على فلسطين في الثانوية على مقاعد جامعة بيرزيت

08/12/2015

 

في مجتمع تحكمه العادات ويسيطر عليه المعتاد من الأمور يظهر بين الفينة والأخرى بطل خاص يقتحم أسوار معترك الحياة بقرار قد يشكل للبعض صدمة، ولآخرين قد يكون شعاع أمل يشير لبوادر التغيير المستقبلي لفكر عفا عليه الزمن.

بطلنا في هذا التقرير شاب عادي قد يعرفه البعض وقد تتسنى للاخرين فرصة لقائه والتعرف عليه في القريب العاجل، فهو أحد المنتسبين الجدد لجامعة بيرزيت.

من نتحدث عنه هو الطالب أسامة خليف من مدينة قلقيلية، شاب شارف على اتمام ربيعه السابع عشر، وكأي من أقرانه وأصدقائه الذين أنهوا عاما ما زال يعتبر مصيريا في حياة الفرد في بلادنا، كان أسامة ينتظر يوم نتائج الثانوية على أحر من الجمر، فالأرقام الموجودة في تلك الورقة الوردية المروسة والمختومة من الوزارة ستكون الحكم الفاصل في قرار إكمال مشواره الذي حلم به او قد توقفه عند ذلك الحد ليضطر لاستخدام خطته البديلة التي ومن حسن حظ أسامة لم يكن هناك داع لأن يستعملها، فكانت نتيجته كما أراد متفوقا بامتياز في التوجيهي ولم يذكر اسمه فحسب في قائمة المتفوقين العشرة في الوطن بل ابتدأت فيه لأنه كان على رأسها.

تحقق الحلم الأول وتكللت جهود عام كامل بنتائج باهرة وثمار كانت حصائد ما أنجزه أسامة في 12 شهرا، عام بأكمله أمضاه في الدراسة والتمحيص حتى جاءت نتائجه كما تهواها الأنفس وتترقبها عيون العائلة وأفراد أسرته بمعدل 99.7 في الفرع العلمي.

والآن استطاعت جامعة بيرزيت تحقيق حلم الطفولة لأسامة بأن انضم لصفوف طلبتها المنتسبين للعام الدراسي الجديد 2015-2016، وقد وقع اختياره على تخصص لطالما عشقه واستهواه، تخصص كان على استعداد لقتال العالم حتى يصله لكن الله أكرمه بعائلة متفهمة لم تضطره لخوض ذلك المعترك النقاشي الحاد حول التخصص الذي يرغب أن يراه فيه أفراد العائلة مقابل ما يرغب به هو نفسه.

كان أسامة قد أكد على كون بيرزيت اختياره الأول للجامعة قبل أن يبدأ عامه الدراسي، وكان هو ذات الاختيار في يوم صدور نتائج الثانوية العامة التي احتفل بها الأهالي في كافة أنحاء الوطن، أما عن الفيزياء التي اختارها تخصصا رئيسا له مع الرياضيات كتخصص فرعي فهي لم تأت بمحض الصدفة وإنما قناعة شخصية ورغبة كاملة بالأمر، ليكسر بذلك القاعدة المعتمدة لدينا بأن المتفوق يدخل واحدا من ثلاثة تخصصات "الطب والهندسة والمحاماة".

ولبطلنا الأكاديمي قناعة ثابتة أبى أن يغيرها وعجز المجتمع عن زحزحتها أو خلخلة أواصرها ولو جزئيا وهي: "لا علاقة تربط معدل الثانوية العامة بالتخصص الجامعي، فعلى الفرد اختيار الاتجاه والتخصص الذي يحبه وهو ما قمت به حين اخترت تخصص الفيزياء في بيرزيت تحديدا"، على حد قوله لـ"الحال".

ولا يقف طموح أسامة عند حدود شهادة البكالوريوس فحسب فهو يأمل أن يكمل دراسته ليحوز لاحقا الشهادات العليا في أحد المجالين اللذين اختارهما وعشقهما فإما أن يقع اختياره حينها على الفيزياء أو على الرياضيات، وهو ما قاد أسامة لاختيارهما بعيدا عن الطب والهندسة اللذين ليسا من ضمن اهتماماته أو ميوله الدراسية إطلاقا.

قد يرى البعض أن اختيار تخصص جامعي مغاير لتوقعات الناس أو لما هو معتاد في المجتمع، أمر غريب أو غير طبيعي دون وصفه بالعمل البطولي، فالأمر لا يصل حد البطولة لديهم، لكن اختيار أسامة كان بطولة وحقيقة لا يستطيع أحد إنكارها، فأسامة كان بطلا باختياره هذا، بطلا تبع أحلامه وما يهواه، بطلا تجاوز فكرا مجتمعيا تقليديا لم يقدنا للحضيض سواه، بطلا في مجتمع تكاد بطولاته تقتصر على كتب التاريخ للصفوف الأساسية، بطلا تحدى الطبيعة صانعا دربه الخاص بدعم أسري دون الالتفات لأهواء الغير وكلماتهم، بطولته بأنه يدرك ما اختاره كخطوة أولى لطريق مستقبله آملين أن يكون باهرا ومزدهرا كعامه الماضي.

وكما قال درويش: "قف على ناصية الحلم وقاتل"، وما أكثر النواصي والحالمين في بلادنا وما أقل الساعين وراء أحلامهم، ورغم قلتهم إلا أنهم أملنا بأن غدا سيكون أفضل، وأسامة وكل من يشبهه هم أملنا لليوم وغد وبعد غد، لذا كلنا أمل بأن تزداد تلك النواصي وتزداد الأحلام المحققة لا المعلقة في بلادنا فهذا النوع من الامل والإنجاز لا غنى عنه ولا عيش صحيحا من دونه.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018