تل رفح.. كنز أثري ثمين يعاني التهميش والنبش على مدى عقود

 

يعتبر تل رفح، أو المسمى محلياً باسم "تل زعرب"، نسبة لأكبر العائلات الرفحية التي تقطن بجواره، كنزا أثريا قديما، كان مهبطاً لحضارات قديمة، أبرزها الرومانية، واليونانية، والبيزنطية، وكذلك الإسلامية.

فالتل الذي يقع على الحدود المصرية الفلسطينية جنوب مدينة رفح، واحد من أهم المعالم الأثرية القديمة على مستوى قطاع غزة، وفلسطين بشكل عام، لكنه كان وما زال مهمشاً من قبل الجهات المعنية، عدا عن جهود متباعدة للكشف عن بعض الكنوز، وظل على مدار عقود هدفاً لعمليات نبش وحفر نفذها مواطنون بحثاً عن كنوز ثمينة مدفونة في باطنه.

 

كنوز مستهدفة

يقول المواطن إبراهيم فرج، في العقد السادس من عمره، إنه منذ الاحتلال الإسرائيلي الأول لقطاع غزة، في العام 1956، وكنوز تل رفح مستهدفة من قبل المواطنين، فقد نبشت مناطق واسعة من هذا التل، بحثاً عن آثار وكنوز ذهبية، ونقل وبيع العديد منها.

وبين فرج أنه يذكر جيداً ما كان يحدث في ستينيات القرن الماضي، حين كان الاحتلال الإسرائيلي يغض الطرف بشكل متعمد عن أعمال الحفر والبحث في هذه المنطقة، هادفا إلى تسريب الآثار، حيث كان بعض الأثرياء يجلبون عمالا مقابل أجور مالية زهيدة، ويجلبون لهم مناخل معدنية، ليقوموا بتنقية الرمال في بعض المناطق، للبحث عن عملات قديمة، وبقايا آثار.

ونوه فرج إلى أن هذا الأمر كان سبباً في ثراء بعض العائلات في رفح، التي نجحت في العثور على كنوز نادرة، وبيعها لجهات عديدة.

وبين أن الأمر استمر عقودا طويلة، لكنه تراجع بعد قدوم السلطة، ولا يعلم أحد ما هي الكنوز التي عثر عليها، ولمن وبأي أسعار بيعت، لكن الواضح أن استهداف التل لعشرات السنوات، وغياب الرقابة والمنع، تسبب في نهب ثروات كبيرة منه، مستهجناً عدم إعلانه حتى الآن كمنطقة آثار، وحظر وصول الأفراد إليه.

وأشار فرج إلى أن الاحتلال فطن للتل في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وحوله إلى ثكنة عسكرية، استمر وجودها حتى العام 2005، حين انسحبت إسرائيل من قطاع غزة، وكثيراً ما كانت تشاهد جرافات وآلات حفر تعمل في تلك المنطقة، ما قد يشير إلى أن إسرائيل نبشت التل وسرقت كنوز كثيرة منه.

 

حكايات غريبة

ومنذ منتصف القرن الماضي، يتناقل الموطنون قصصا وحكايات غريبة عن هذه المنطقة، بعضها تحدث عن وجود نفق طويل يصل ما بين تل رفح حتى شاطئ البحر، وأخرى أكدت وجود مدينة كاملة تحت التل.

لكن "الحال" بحثت عن أغرب القصص وأكثرها غموضاً، وكانت لمجموعة من الشبان كانوا يحفرون نفقا تحت التل من أجل تهريب سلع وبضائع من مصر للقطاع، دون أن تكون الكنوز هدفا لحفرهم.

يقول الشاب عبد الرحمن، أحد المطلعين على القصة: "وصلت عمليات الحفر إلى نقطة متقدمة، وكان النفق الذي كلف مالكه عشرات الآلاف من الدولارات على وشك الانتهاء، إلى أن أضحى الحفر في نقطة معينة أشبه بالمستحيل.

وأوضح أن إحدى النقاط داخل النفق كانت تخلو تماما من الأكسجين، وإذا ما تراجع الشبان مترا واحدا للوراء وجد الأكسجين بصورة طبيعية، فتبادر للذهن في بادئ الأمر أنها منطقة رطبة، أو ثمة شيء ما ينتج غازات تشعر الأشخاص بضيق تنفس، فتم جلب هوايات كبيرة تعمل على الطاقة الكهربائية لتجديد الهواء، لكن المشكلة بقيت كما هي.

وأكد أن العاملين في النفق استخدموا كل الوسائل المعروفة وغير المعرفة للتغلب على المعضلة، وتوفير الأكسجين اللازم لاستمرار الحفر، دونما فائدة، إلى أن شكوا بوجود أمر غير طبيعي، وقد استشار أحدهم بجلب أحد المشايخ، الذي وصل ودخل النفق، وصولاً للمنطقة المقصودة، وتلفظ بكلمات غير مفهومة، قبل أن يخبرهم بوجود كنز روماني قديم في هذه المنطقة، تعاقد واضعوه منذ آلاف السنين مع الجن لحمايته، ومنع أحد من الاقتراب منه، وهذا يشبه إلى حد كبير ما يعرف في مصر بـ"لعنة الفراعنة"، التي تصيب كل من يحاول العبث بمقابر وكنوز فرعونية، محذراً الشبان من استمرار الحفر.

وبغض النظر عن مدى دقة تلك الحكاية، إلا أنها واحدة من عشرات القصص المتداولة، التي تشير إلى وجود كنوز أثرية كبيرة في باطن الأرض لم تكتشف بعد.

 

مهد حضارات قديمة

من جانبه قال الباحث وليد العقاد صاحب متحف العقاد للآثار، إن "تل زعرب" منطقة أثرية سكنتها العديد من الحضارات منذ الفترة اليونانية عام 332 ق.م والعصر الروماني، حيث تدل على كل عصر وتميزه عدة مقتنيات وجدت بهذه المنطقة، فمثلاً عُثر بداخله على مطاحن ونقود وصخور تدل على الفترة البيزنطية والفترة الإسلامية، خاصة العثمانية، التي دلت عليها نقود وأعمدة مبان قديمة.

وبين العقاد أن من أهم معالم التل، وجود نفق قديم يصل إلى شاطئ بحر رفح، ويمتد لعدة كيلو مترات، ظهرت عدة فتحات له وتمت معاينتها، ويبدو أنه استخدم في أحد العصور لأغراض حربية بحتة.

وأشار العقاد إلى أن تل زعرب تعرض لسلب ونهب بعض قطعه الأثرية، خاصة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وأبرز من قاموا بسرقة موشيه ديان، الذي نهب الكنوز الأثيرة ووضعها في بيته، ولا تزال الكثير من هذه الآثار موجودة حتى يومنا هذا في بيت يائيل ديان، ابنة موشيه، التي تحاول وعائلتها نسبها لليهود كذباً.

وأكد العقاد أن السلطة قامت بتحديد هذه الأماكن الأثرية، ووضع حراس على هذه المناطق، للمحافظة عليها من العبث والتخريب، وكذلك الأمر في فترة حكم حماس، الا أن الظروف الاقتصادية والحصار الذي أثر على منع بعض المساعدات أو قدوم خبراء للآثار للمساعدة في ترميم بعض المباني المواقع الأثرية ما عقد الأمور حسب قوله.

وشدد العقاد على ضرورة إقامة منطقة مغلقة للآثار داخل التل للحفاظ عليه، فالتل إرث تاريخي لا يقدر بثمن، يحفظ هوية فلسطين ويبقيها صرحاً تاريخياً وشهادة للحضارات التي قامت عليها.

 

منطقة أثرية مغلقة

وزارة السياحة والآثار رصدت في قطاع غزة 114 موقعاً أثريا تم اعلانها مواقع أثرية وإفراز حراسة خاصة لها على مدار الساعة كما يقول مدير عام الإدارة العامة للآثار والتراث الثقافي الدكتور جمال أبو ريدة.

وأشار أبو ريدة إلى أن منطقة تل رفح التي تبلغ مساحتها 150 دونما، هي أحد هذه المواقع المهمة، التي شرعت وزارة السياحة بالتنقيب فيها عن الآثار في مشروع شرعت فيه الوزارة عام 2010، امتد لثلاث مراحل وتوقف في المرحلة الرابعة لنقص الإمكانيات.

وقال أبو ريدة: "وجدنا خلال عمليات التنقيب كميات كبيرة من العملات النقدية المتنوعة، تعود للعصرين اليوناني والروماني، وبقايا معمارية، ومجموعة كبيرة من قطع لأوان فخارية، وأخرى زجاجية رقيقة تعود للفترة الرومانية وغيرها"، لافتاً إلى عدم وجود تعاون مع الجانب المصري خاصة في التنقيب حيث يقع تل رفح على الحدود المشتركة بين الأراضي المصرية الفلسطينية.

وتتعاون الوزارة مع عدة مراكز تُعنى بالتراث الفلسطيني، وتدعم عمليات البحث عنه وترميمه، مثل مركز إيوان، وعدة جهات مانحة، مثل مؤسسة تيكا التركية، والمبادرة العمانية، والمؤسسات الألمانية والفرنسية.

وختم أبو ريدة حديثه مؤكداً أن الوزارة باتت تواجه صعوبة في التنسيق مع هذه الجهات، نظرا للظروف السياسية والتخوف مع التعامل مع وزارة السياحة بغزة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018