تل أبيب تدعو لمقاطعة اسرائيل

"أرجوكم قاطعونا"، هكذا كتب جدعون ليفي مناشدا دول العالم ألا تترك وسيلة إلا وتستخدمها لممارسة الضغوط على اسرائيل حتى توقف احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية (الجولان وشبعا)، باعتبار أن هذا يخدم مصالح اسرائيل وينقذها من حكومتها اليمينية المتطرفة. 

لكن جدعون ليفي ليس مقياسا. فهو كاتب يهودي يساري معروف بمواقفه الحادة ضد السياسة الاسرائيلية الرسمية. وقليلون أمثاله في الصحافة العبرية. والقضية التي تطرح دائما هي: هل يوجد آخرون مثله؟ 

أجل، هذه هي القضية الجديدة. فكما يبدو أن المقاطعة لاسرائيل بدأت تتغلغل في المجتمع الاسرائيلي اليهودي أيضا، لتصبح ظاهرة. وعلى الرغم من ان استطلاعات الرأي تشير الى ان 71% من الاسرائيليين يعتبرون المقاطعة غير شرعية، ويعتقدون انها نابعة من كراهية لليهود لمجرد كونهم يهودا وليس بسبب الاحتلال وموبقاته، وعلى الرغم من ان رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتولى بنفسه حملة هوجاء في العالم ضد المقاطعة يزعم فيها انها "مؤامرة فلسطينية هدفها القضاء على اسرائيل"، فقد ارتفعت أصوات في قلب تل أبيب، تدعو الى مقاطعة اسرائيل أو على الأقل مستوطناتها الاستعمارية في المناطق الفلسطينية المحتلة. وأنشأت صحيفة "هآرتس" مقالا افتتاحيا (الثلاثاء 9 حزيران 2015)، تدعو فيه الأوروبيين إلى عدم التراجع عن ضغوطها على اسرائيل، بما في ذلك مقاطعة البضائع الاستيطانية والفرق الرياضية والمعاهد الجامعية في المستوطنات.

وتحولت ندوة فكرية في جامعة تل أبيب، حول موضوع المقاطعة إلى دعوة من عشرات الأساتذة والباحثين اليهود، الى ممارسة الضغوط على اسرائيل مؤكدين ان هذا "يشكل عاملا مساعدا لاسرائيل حتى تحرر نفسها من وباء الاحتلال وتجنح الى السلام".

د. هيلا ديان، وهي مواطنة اسرائيلية تدرس حاليا في كلية أمستردام الأكاديمية في هولندا، قالت انها تلقت "تنبيها" لئلا تحرق كل الجسور بمجرد المشاركة في النقاش حول المقاطعة "لأن نتنياهو غاضب جدا من مشاركة يهود في حملات المقاطعة". وأكدت انها تؤيد وتدعم مقاطعة إسرائيل. وقالت إنها تعرف أن العديد من المحاضرين العاملين في إسرائيل يشاركونها الرأي ولكنهم يخشون التعبير عن موقفهم بشكل علني. ولكنها أضافت محذرة: "انتبهوا، فإن حكومة إسرائيل تحاول الإفادة من المقاطعة في العالم، حتى يتكتل الجمهور اليهودي في اسرائيل من حولها. ولذلك فهناك أهمية قصوى في ان يفهم الجمهور اليهودي أهمية هذه المقاطعة ويحولها الى مقاطعة داخلية، أي من داخل اسرائيل للمستوطنات". وهاجمت رؤساء الجامعات الاسرائيلية الذين لا يسمعون صوتهم ضد الاستيطان وضد التمييز المتبع في البلاد ضد العرب وضد الاثيوبيين السود وضد شرائح أخرى مستضعفة. وتتعامل بلامبالاة بائسة ازاء ما يجري في المناطق الفلسطينية. واضافت د. ديان: "العالم المتنور الذي يقاطع اسرائيل هو صاحب فضل في تخليص إسرائيل من نفسها. لكنني أؤيد مقاطعة إسرائيل من داخلها، لمحبتي لإسرائيل، وهذا عمل وطني وتضامني مع نضال الفلسطينيين". 

وتحدث البروفيسور داني رابينوفيتش، من قسم الدراسات الاجتماعية، فكشف عن وجود عريضة وقع عليها حوالي 1300 من علماء النفس من شتى جامعات العالم، وفيها يطالبون الجامعات الإسرائيلية برفع صوتها ضد الاحتلال ويدعون حكومة إسرائيل الى الانسحاب كأحد الشروط لإعادة التعامل معها ورفع المقاطعة عنها. وقال البروفيسور رابينوفيتش، "ان الشرط الذي تنص عليه عريضة علماء النفس غير قابل للتنفيذ، لأن الجامعات غير جاهزة بعد لرؤية مسؤوليتها في اتخاذ مواقف سياسية. فنحن لا نعرف موقف جامعة تل ابيب من الاحتلال ومن قضية اللاجئين، وهذا ليس صدفة. ولكن هذا النشاط يحمل أهمية قصوى، لأن علماء النفس في اسرائيل هم أكثر فئة أكاديمية تؤيد المقاطعة". 

وأما البروفيسورة في جامعة هارفارد الأميركية، نعومي حزان، التي شغلت منصب نائبة رئيس الكنيست الاسرائيلي، فقالت إنها ترحب بالضغط الدولي على اسرائيل وانها تلاحظ أنه بات يرتفع مثل موجة تسونامي حقيقية. وقالت: "أستغرب لماذا يفاجأ رئيس الحكومىة بينيامين نتنياهو وحكومته الجديدة بهذه المقاطعة. فهو ولوقت طويل أكثر من اللزوم، اختار ووزراؤه تجاهل الإشارات التحذيرية وأغلق أذنيه أمام الصخب المتصاعد ضد سياساته وأفعاله على الجبهة الفلسطينية. كان من السهل أكثر بالنسبة له رفض كل الانتقادات ووصفها بالمعادية للصهيونية  او المعادية للسامية، بدلا من تحليل الأسباب لهذه الجهود المتزايدة لعزل إسرائيل وإيجاد سبل لضمان بقائها وشرعيتها على المدى الطويل. ورد فعل الحكومة على هذه الموجة، ساهم فقط في تصعيد الوضع. فالقادة في اسرائيل يفضلون خداع الناس وأنفسهم بالتقليل من أهمية الإجماع الدولي المتزايد ضد الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية ويزعمون كذبا ان هذه الجهود تهدف الى نزع الشرعية عن إسرائيل. فمن خلال تصعيد عامل الخوف يبني الائتلاف الحاكم على امكانية الحصول على دعم قصير الأجل داخل البلاد. ولكن هذه بكل تأكيد ليست الطريقة المطلوبة لضمان وجود إسرائيل في شرق أوسط مضطرب.

وقالت حزان إن الاستياء الحالي من إسرائيل -الذي يؤدي وبسرعة إلى عزلة دبلوماسية وثقافية وأكاديمية وسياسية متزايدة– ينبع من الإحباط من الفشل المتكرر في التوصل إلى حل عادل ومستدام للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني ومن فقدان الأمل، في أعقاب نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة. 

ولكن، علينا الحذر وعدم المبالغة في تقييم هذا النشاط. فهو مهم جدا ويدل على وجود قوى خيرة كثيرة في المجتمع الاسرائيلي، لكنه يبقى محدودا. فالغالبية ما زالت تؤيد الحكومة. حتى في المعارضة توجد قوى أساسية تقف مع الحكومة. وهناك محاولات لتجنيد قوى دولية لتقف ضد المقاطعة. ولكن في الوقت نفسه هناك خوف من تنامي المقاطعة خصوصا في دول الغرب. وحتى لو لم تؤثر هذه المقاطعة بشكل حاد على الاقتصاد، فإن لها تأثيرا معنويا كبيرا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018