تحرير المعرفة والأكاديميا في "جامعة سليمان الحلبي" الشعبية

 

في قاعة صغيرة بمدينة رام الله، يتجمهر عشرات الشبان على المقاعد البلاستيكية، بكل اريحية وحرية، يجلسون امام طاولة عريضة، بينهم عدد من المفكرين وأساتذة ومثقفون، يصغون السمع؛ يدونون الملاحظات لمحاضرات غير منهجية ودون تسجيل حضور وغياب وتقييم في نهاية المساق. هذه هو أسلوب الجامعة الشعبية التي تندرج تحت دائرة سليمان الحلبي، وقد اطلق عليها مؤسسها الاسم نسبة للمناضل الذي قتل قائد الحملة العسكرية على مصر "كليبر".

وحملت الدائرة اسم الحلبي دلالة على مقاومة الاستعمار، وتأسست في عام 2012 للتخصص في الدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي على يد الباحث في العلوم الاجتماعية وفلسفاتها الاستاذ "خالد عودة الله"  وعدد من المتطوعين الشباب.

تقوم الجائرة على عدة نشاطات، من ضمنها مجموعة المساقات الممنهجة ضمن فضاء الجامعة الشعبية؛ وفيها مساق تاريخ المقاومة الفلسطينية، ومساق دراسات الحرب، ومساق سينما المقاومة. التقت "الحال"
بعدد من القائمين على الدائرة لمعرفة رؤية ومنهجية هذا النوع من التعليم الشعبي.

 

شعبية المعرفة

وقال الاستاذ خالد عودة الله عن فكرة الدائرة: "تقوم فكرة الجامعة الشعبية على المعرفة فهي قضية سياسية بامتياز ولا يمكن نزع السياسي عن المعرفي، ومن هنا مركزية دراسة الاستعمار والمقاومة كشرط لا يمكن تجاوزه في الحالة الفلسطينية، وشعبية المعرفة بمعنى اتاحتها للجميع ولمن يبحث عنها بدون مقابل، ولا تعني عدم جديتها ومنهجيتها".

وأضاف عودة الله: "تقوم الجامعة الشعبية على التطوع التام، والتمرد على الارتزاق المعرفي والمعرفة كسلعة تخضع لاشتراطات الهيمنة السياسية المعرفية، وتقوم على تحويل العلم والمعرفة الى ثقافة شعبية لكسر الاحتكار المعرفي، وتعزز البعد الوطني للمعرفة، وتؤكد على ضرورة بناء المؤسسات الاجتماعية المستقلة الشعبية".

 

طرح مساقات مغيبة في الجامعات

من جهته قال حمزة أسعد أحد المتطوعين في الدائرة: "هي جامعة تسعى للعمل الشعبي فهي بعيدة عن الاساليب البيروقراطية من حيث الدفع والتسجيل وترفع شعار "التعليم من الناس وللناس"، وبين أسعد ان دائرة سليمان الحلبي تغطي مساقات مهمشة في داخل مؤسسات التعليم الرسمية مثل الجامعات لكنه يؤكد ان هذا لا يعني ان الدائرة بديلة عن الجامعة لكنها تتجاوز فكرة الجامعة من حيث انها تمنهج المعرفة ضمن مشروع وهو التحرر من الاستعمار في حالة فلسطين وبالتالي يجب انتاج معرفة وتداولها في هذا السياق.

ويوضح حمزة اسعد ان الجامعة تقوم بطرح مواضيع لا تطرح في مؤسسات التعليم الرسمية مثل مساقات دراسات الحرب ومساق تاريخ الثورة الفلسطينية كتاريخ مقاوم فتحاول الدائرة تغطية ما لا تغطيه الجامعة، كما انها ان تفتح الافق في المعرفة الاجتماعية والانسانية من خلال الاطلاع على التجارب العالمية في التحرر من الاستعمار وكل ذلك يتجاوز فكرة البحث الاكاديمي الرسمي.

 

الجامعات تحدد فرص التعليم

وفي نقدها للمؤسسات التعليمية الرسمية قالت استاذة علم الاجتماع والمتطوعة في دائرة سليمان الحلبي لينا ميعاري، إن المؤسسات التعليمية الرسمية كبنية، مثلها مثل الكثير من المؤسسات الرسمية الأخرى، تؤدي وظيفة اعادة انتاج علاقات القوة السائدة في المجتمعات، وبالامكان تتبع الرؤى والممارسات المادية والثقافية السائدة في المجتمع من خلال تتبع مظاهر وخطط وممارسات عينية داخل المؤسسات التعليمية الرسمية.

وأضافت: "على سبيل المثال لا الحصر تقوم المؤسسات التعليمية الرسمية بتحديد من الذي يحق له امتياز الحصول على التعليم والمعرفة وذلك بناء على عدة معايير تحددها المؤسسة بدءا بالعلامات (التي ترتبط الى حد كبير بالفرص والامكانيات المادية المتاحة للطالب في المراحل السابقة)، مرورا بالقدرة المادية على دفع رسوم التعليم، وانتهاء بقبول الطلبة علاقات السلطة القائمة على المستوى المؤسسي، والأهم أن المؤسسات التعليمية الرسمية تقوم بتحديد المعرفة "المشروعة" من ناحية نظرية ومنهجية وتمريرها للطلبة".

وتبين ميعاري انه في الكثير من الأحيان تتحول المؤسسات التعليمية الرسمية الى منتجة للعمالة لبنية سوق العمل القائم، كل هذه المحددات تأخذ منحى أكثر اشكالية في الشرط الاستعماري. وتوضح انه في الحالة الاستعمارية حين تتحول كل مناحي الحياة الانسانية الى معركة وجود يصبح مفهوم التحرر مفهوم مركزي وتبرز الحاجة الى منحى تحرري لا تشكل المؤسسات التعليمية الرسمية مناخا مناسبا له، وككل مؤسسة اجتماعية، هناك هوامش داخل المؤسسات التعليمية الرسمية لانتاج معرفة نقدية تحررية لكن الورطة تنعكس في بقاء هذا الهامش جزءا من بنية المؤسسة.

 

الطالب والأستاذ يتعلمان معا

"الدائرة مبنية على فكرة ان الجميع طالب ومدرس في نفس الوقت، وان كل شخص لدية معرفة وعلوم يمكن ان يقوم بتدريسها لاي شخص اخر"، هكذا افاد احمد النمر أحد متابعي الجامعة الشعبية وقال ان الدائرة تفتح الباب لاشكال من المعرفة تعتبرها المؤسسة الرسمية غير ضرورية، او غير مهمة، كالمعرفة الشعبية بالزراعة، او بالصناعات اليدوية، بشكل عام الدائرة تفتح الباب لاشكال معرفية تعتبرها المؤسسة الرسمية غير مهمة او ضرورية.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018