العراقية هيفاء زنكنة.. من الصيدلة إلى الصحافة والفن وأدوار طويلة في الثقافة

 

تجسد الكاتبة العراقية هيفاء زنكنة مصطلحا طالما ألحت الكتابات العربية على حضوره، ألا وهو

المثقف العضوي المرتبط الى حد الاندماج بحياة مجتمعه منتجا الجديد المطلوب لاسئلة مجتمعه وهمومه. 

ولم تكن زنكنة مثقفة عراقية فقط، بل انتمت لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في محطات الثورة الفلسطينية، وعملت صيدلانية فيها وتطورت مهماتها لتصير الكاتبة والمثقفة والفنانة والاسم الذي لا ينساه مجايلوها ممن عاصروا منظمة التحرير في المنافي. 

حضرت زنكنة الى جامعة بيرزيت في ايار 2015، حاضرت ودربت في الصحافة الثقافية، والتقتها الحال في المقابلة التالية: 

  • بدايةً كيف تعرف هيفاء زنكنة نفسها؟

  • أعرف نفسي ككاتبة بشكل أساسي وناشطة في المقام الثاني، كانت الكتابة هي الشيء الوحيد الذي رافقني طوال حياتي، كما تركت الصيدلة منذ فترة طويلة للتفرع للصحافة والكتابة الأدبية، وأعرف نفسي بأني ناشطة لأني كنت ممَن وقفوا ضد الحصار على العراق من خلال إقامة الندوات والمحاضرات ومن خلال الكتابة حول الموضوع، وقد حاولت تجنيد الفكر المؤيد للقضية العراقية خلال فترة بداية الأزمة واستمراراً لفترة طويلة، حيث يحقق هذا الفكر الإيمان بأن العراق تتعرض لظلم كبير، وقبلها أيضاً كانت فترة نشاطات طويلة لإيقاف الحصار الاقتصادي وتلتها حركة مناهضة للحرب على العراق.

 

مسيرة نضالية مع فلسطين

  • عملت في منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات، ما الذي دفعك إلى هذه الخطوة؟

  • ما دفعني إلى هذه الخطوة هو إحساسنا بأن القضية الفلسطينية قضيتنا وأن الظلم الموجود فيها هو أساس البلاء في كل المنطقة، فكانت محاولة منا لرفع الظلم عن إخوتنا، وأيضاً لأننا نعمل من اجل العدالة في كل العالم، لأن القضايا العادلة هي قضية الجميع، انطلاقاً من فكرنا الشيوعي الاشتراكي، وفلسطين كانت هي الأقرب، فكان من الطبيعي أن أتطوع، كما أنني لم أكن الوحيدة. كان هناك عدد من العراقيين في المنظمة إما كفدائيين أو عاملين في مجالات أخرى، وعلى سبيل المثال كان بعض المتطوعين العراقيين هم من أسسوا للتصوير السينمائي في منظمة التحرير.

  • وماذا كان دورك في المنظمة؟

  • أسست معملاً للأدوية كان تابعاً لمنظمة التحرير، وذلك في السبعينيات، كوني كنت قد تخرجت من كلية الصيدلة، وقد كنت مسؤولة عن هذا المعمل، كان لدي أحد عشر شخصاً، دربتهم كمساعدين، وكانت الفكرة التي انطلقنا منها هو أن علينا التفكير باتجاه المستقبل، فقد كان لدينا الخشية من انقطاع الأدوية المتبرع بها التي كانت تصلنا من دول صديقة، والوصول إلى حالة من الاكتفاء الذاتي، وقد عملنا مع المخيمات الفلسطينية في الشتات، مثل اليرموك في سوريا وصبرا وشاتيلا في لبنان، وتعاون معنا قسم الهندسة العسكرية في المنظمة في تصميم معدات المعمل، وقد أثمر عملنا عن إنتاج 11 نوعا من الأدوية، وانتهت هذه التجربة مع الحرب الأهلية في لبنان.

 

حريق فلسطين والعراق 

  • ما هي أوجه الشبه بين التجربتين العراقية والفلسطينية؟

  • التشابه هو الاحتلال، فمع اختلاف الأسماء، إلا أن المظاهر كانت متشابهة، في بغداد هناك جدار كما هو الحال في فلسطين، إذ تم تقسيم المدينة في 2006 إلى خمسين منطقة مغلقة، تدخل من باب وتخرج من باب وأنت مراقبٌ بالكاميرات، هذا الجدار خلق العزلة والتقسيم الطائفي حيث ادعى الأميركان أنه لحمايتهم وحماية المواطنين من الإرهاب. أيضاً هناك نقاط تفتيش كل 100 متر في بغداد، في الفلوجة بنوا أسواراً، ولسكانها هوية خاصة تصعب من حركتهم، الأمر نفسه يحدث اليوم في القدس.

كما تم تغيير التوزيع السكاني على المناطق وكأنه تمهيد لتقسيم العراق طائفياً، رغم أن المناطق كانت مختلطة على مدار التاريخ بلا مشاكل، أوجدوا مناطق سنية ومناطق شيعية ومناطق أخرى كردية وهكذا، وكان الدخول إلى إحدى هذه المناطق من آخرين يجعلهم عرضةً للقتل، فأصبحت هناك حملة غير مسبوقة لتغيير الأسماء الشخصية ذات الدلالة الدينية.

في 2003 بغداد كانت تحترق نتيجة القصف، والمركبات الأميركية والمدرعات المصفّحة والجنود المسلحون يشعروننا بالغضب والإهانة عندما نراهم في شوارع مدينتنا، وهذا ما كنا نسمع عنه في المدن الفلسطينية.

 

المثقف في مواجهة المحتل

  • في هذه الحالة، ما هو دور المثقف في ظل الاحتلال؟

  • برأيي التوعية هي دور وواجب ولا خيار فيه، إذا كنت مثقفاً، فعليك أن تصل إلى الجماهير وأن تعبر عن صوت الناس، وذلك من خلال الرسم، والكتابة والغناء أو أي مجال يجد المثقف فيه نفسه عليه أن يستغله، فهذه ليست كماليات كما في الدول المستقرة، بشرط أن نبتعد عن الابتذال واللعب على العواطف، وألا نسقط في الأدلجة السياسية الطائفية التقسيمية. في الحالة الفلسطينية الوضع الحالي يجب أن ينتهي، لا يجب أن تكره أحداً لأنه اختار الكتابة كأسلوب مقاومة في الوقت الذي اخترت انت فيه الكفاح المسلح، نحن نكمل بعضنا البعض للوصول إلى هدف معين وحتى المفاوضات، إلى درجة ما، لا بأس بها إذا كانت ضمن مرجعية واضحة، وتأتي بعيداً عن التفاوض لأجل التفاوض وبلا تنازلات ومساومات، في فيتنام والجزائر تفاوضوا مثلا.

 

حكم بالإعدام في بغداد

  • سُجنت وحكم عليك بالإعدام في العراق فيما مضى، حدثينا عن هذه المرحلة؟

  • كنت معتقلة مع خلية من 4 أشخاص على خلفية عملنا السياسي ضد النظام، عندما كان أحمد حسن بكر هو رئيس العراق، بينما كان الحاكم الفعلي هو صدام حسين الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس، أعدم 3 أشخاص ونجوت أنا، وكان السبب هو العلاقة الشخصية لي ولعائلتي مع السكرتير الشخصي لصدام حسين، الذي سهّل عدم تنفيذ الحكم فيّ رغم أنه لم يكن رحيماً بالكثيرين.

في ذلك الوقت كان الحكم السائد في العراق هو نظام الحزب الواحد ولكن مع حكومة وطنية، في الوقت الحالي العكس تماماً، نحن بحاجة إلى حكومة وطنية تحترم المواطنة وتمثل الجميع.

  • جمعت بين الصيدلة والفن والثقافة والصحافة والرسم والعمل السياسي والأكاديمي في حياتك، كيف تمكنت من ذلك؟

  • لقد رافقني الفضول في حياتي، كانت لدي دائماً رغبة في اكتشاف شيء جديد، ومع مرور الوقت استمررت في الكتابة لصحف كثيرة مثل التيليغراف والبي بي سي ومعظمها باللغة الإنجليزية، وتوقفت عن الرسم وأشياء أخرى لعدم توفر الوقت، لدي الآن 9 معارض رسم أقمتها في أنحاء متفرقة من العالم، كما أسست هيئة الدراسات العراقية المعاصرة.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018