"الصلاحي".. معمار ديني يجمع هندسة الكنائس ونقوش المساجد

 

ربما تجد حضارات مختلفة في كتاب التاريخ، لكن في الجامع الصلاحي الكبير الذي يقع في حي القصبة وسط البلدة القديمة في نابلس، تجد عدة حضارات متجسدة في مكان واحد، وفي زيارة "الحال" للجامع، قابلنا الخبير في الشؤون الأثرية عبد الله كلبونة الذي رافقنا وحدثنا عن قصة هذا الجامع، الذي يجمع بين جنباته تراثا معماريا من الديانتين المسيحية والاسلامية.

سمي الجامع بالصلاحي تيمناً بصلاح الدين الأيوبي، على الرغم من أن المبنى بني في فترات تاريخية مختلفة، إذ يقول كلبونة: "الجامع لديه فترتان تاريخيتان، لذلك نلاحظ الفرق بين القسمين الغربي والشرقي، فالقسم الغربي منه بيت الصلاة، كان كنيسة بيزنطية، وأعيد بناؤها في القرن الخامس أو السادس الميلادي، لذلك نلاحظ صفوفاً من الاعمدة ذات التيجان الرومانية والبيزنطية، أما القسم الشرقي ففيه نقش كوفي ومحاريب مزخرفة بالزخرفة الفاطمية، ما يدل على أن الصليبيين عندما استولوا على المبنى وأعادوا توسعته لم يستولوا على كنيسة بل على جامع، وأضافوا دعامات حجرية تدل على حضارتهم وحولوه إلى كنيسة سموها كنيسة البعث".

واختلفت الروايات حول كنيسة البعث، فهناك رواية أثرية وأخرى تاريخية شائعة بين الناس، وعند سؤالنا سكان البلدة القديمة حول كنيسة البعث، أجاب محمد الذي يعمل بائعا قرب الجامع أنّ صلاح الدين الأيوبي كسر صليب هذه الكنيسة عام 1187م، وانطلق منه إلى القدس لتحريرها.

لكن مصليا اخر كذب رواية السابق وأخذنا قرب ضريح في ساحة الجامع، وأكّد أن الصليب كان قائماً مكان هذا الضريح، وغيره قال إن صلاح الدين ألقى خطبة في هذا الجامع قبل التوجه إلى بيت المقدس، وذكر مصلٍّ آخر أن الجامع لم يكن فقط مكاناً دينياً بل مركزاً للعلم عقدت فيه حلقات تعليمية عديدة، ومعظم الإجابات الأخرى كانت مؤكدة لقدوم صلاح الدين وتحرير الكنيسة من الصليبيين وتحويلها إلى جامع.

كل هذه الروايات بالنسبة إلى كلبونة مجرد روايات شفوية تاريخية ليست دقيقة، لأنّه حسب قوله لا توجد شواهد وأدلة أثرية على وجود صليب كسره صلاح الدين، أو حتى إن صلاح الدين كان هنا، ولكنّه أوضح الأهمية السياسية للجامع، فالجامع الكبير اعتبر مركزا سياسياً واقتصادياً في العهد الأيوبي حتى بدايات القرن الماضي، فقديماً عُقدت فيه اجتماعات السلاطين الأيوبيين ومن بينهم ملك الكرك المعظم عيسى، وتم فيه الإعلان عن طلبات الدولة المملوكية والمراسيم، إذ كانت تنقش على حجارة وتعلق في الجامع، وما زال أحدها موجوداً قرب المتوضأ، وحديثاً كان الجامع مركزاً لاجتماعات الثوار الفلسطينيين.

وفي جولة داخل الجامع الذي تبلغ مساحته 1400 متر مربع، تجد اختلافا في ارتفاع السقف في القسمين الشرقي والغربي لاختلاف زمني البناء، وسقفاً ونقشاً مملوكيين، وقبة عثمانية، وتيجان أعمدة بيزنطية ورومانية.

ورمم الجامع حسب كلبونة عدة مرات وكل حاكم أشرف على أعمال الترميم، ترك فيه ما يدل على دولته فالرومان رمموا المبنى عندما كان كنيسة وتركوا أحرف اسمائهم باللاتينية منقوشة على أعمدة المبنى، والمماليك رمموا السقف وتركوا نقوشهم الكوفية لتدل عليهم، أما الإيوان والزاوية والبركة والغرف السفلى والعليا والمئذنة والجامع الوزيري، فبنيت في عهد الإصلاحات التركية، وأعيد بناؤه عام 1935 بعد ان تهدم جزء كبير في زلزال عام 1927م.

وعام 1996م تم ترميم الجامع وإصلاحه بعدما كانت الرطوبة والتلف قد غطت الجدران ما جعل طبقة البلاستيك المغطاة بها الأعمدة وكراً للأفاعي، وتحت إشراف كلبونة، وذلك بعد تشكيل لجنة أهلية لجمع المبلغ المطلوب للترميم، وأزيلت القصارة والدهان عن جميع الجدران وأعيد تكحيلها، وتم الكشف عن بعض النقوش الصليبية، أما آخر أعمال الترميم فبدأت قبل وقت قصير تحت إشراف المهندس نصير عرفات الذي قام بالتركيز على النقوش الصليبية وتغطيتها بقطع من الزجاج لإبرازها للزوار والحفاظ عليها.

ويعتبر موقع الجامع مميزاً فهو محاط بشارعين عامين هما شارع النصر والشارع الشمالي المؤدي إلى خان التجار، ويلتقيان أمام مدخله الشرقي، وهناك ثلاثة أبواب أخرى في الغرب والوسط والجنوب، ويعد قبلة للمصلين من شتى أرجاء نابلس خاصة أيام الجمعة، وقبلة أيضاً للزوار والسياح، فهو أحد رموز المدينة.

من كنيسة إلى جامع ثم إلى كنيسة، ثم جامع مرة أخرى، هذه هي حكاية الجامع الكبير، وفي ظاهرها تعتبر وكأنّها صراعٌ بين الأديان تجسّد في تحويل الكنائس إلى مساجد، والمساجد إلى كنائس، لكنّ حقيقة الأمر أن هذه السيطرة والتحويل ليست سوى أحد بنود الخطط السياسية للسيطرة وبناء حضارة تقتل ما قبلها.

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018