"التعايش المشترك": فكرة إنسانية نجحت قبل النكبة وماتت تحت حكم إسرائيل

 

"التعايش المشترك" اسم لمشروع قصير لكنه يحمل في طياته معنى كبيرا، فمن خلاله ينعم سكان البلاد بالامن والامان، وتزدهر الحياة بشتى جوانبها فلا شيء قد يشغل الناس عن التفكير في التقدم والازدهار، لكن يبقى السؤال هل نجح هذا المشروع في ظل حكومات اسرائيلية متعاقبة؟ وهل يمكن ان ينجح في المستقبل؟ وهل يمكن لعقلية الاسرائيلي ان تتقبل الاخر؟

هذه اسئلة نترك الاجابة عليها لمجموعة من السكان العرب واليهود كل من خلال تصوره وتجربته، وكان لي اول لقاء مع رئيس اللجنة المحلية في قرية عين حوض محمد ابو الهيجاء الذي قال: كل انسان لديه في داخله تمييز، كبيرا كان ام صغيرا، والخطر الكامن هو ان يخرج هذا التمييز الى الخارج، بطرق مختلفة، ففي الماضي كان التمييز نائما بين العرب واليهود في الداخل المحتل عام 1948. وكانت كل التحليلات والسياسات الحكومية توحي بانه يمكن العيش المشترك بين اليهود والعرب مع حذر معين خاصة ان التمييز والعنصرية تبدا من راس الهرم وتنزل الى الاسفل ويتأثر بها الناس خلال الطريق كالقطيع خلف رعاته.

 

فكرة الاحتلال أفسدت العيش المشترك

واضاف ابو الهيجاء: اذا تركنا عامة الشعبين ليعيشوا مع بعض قد ينجح بدون توجيهات الجهات الحاكمة، اما ان يكونوا سويا او كل وحده مع احترام متبادل، لكن على ارضه وليس على ارض احتلها من غيره، وما تحدثت به في البداية هو لاناس متساوي الحقوق بكل شيء حتى يصل الامر الى "حق العودة" للذين طردوا من ارضهم.

واكد رئيس اللجنة ان عدد الذين يؤمنون بهذا المشروع بدأ يتقلص ومشروع التعايش آيل للفشل الذريع وكذلك امكانية العيش كل واحد الى جهة مع احترام متبادل التي تحدثنا عنها مسبقا فشل فشلا ذريعا نتيجة سياسات عنصرية حكومية مؤسساتية، وكل ذلك كان ونحن لم نتكلم بعد عن تقسيم ثروات وثقافات مختلفة وعدالة اجتماعية على كل المواطنين.

 

التجربة أثبتت فشل هذا المفهوم

أما الناشط الاجتماعي عاصم ابو الهيجاء من عين حوض الذي كانت له تجربة طويلة مع مشروع التعايش فقال: أنا لا أؤمن بهذا المشروع في هذه المرحلة من العمر وبعد تجربة كبيرة لنا في هذا الباب، فانا ولدت في عين حوض المهرة ولي بيت هناك ولنا مسجد تم تحويله الى مطعم وبار، واليوم نعيش في عين حوض وكنا في الثمانينيات من القرن الماضي قد اقمنا لجنة للاعتراف بقرية عين حوض، وكان من بين اعضائها اسرائيليون يساريون، وكنا نتحدث ونقرر وكل شيء في الاتجاه السليم، لكن عندما كنا نفتح الحديث عن حقنا في عين حوض ينفصلون عنا ويختفون، فكيف يكون عيش مشترك اذا كان الحديث لمصلحتي انا صاحب الارض الحقيقي، يكون مرفوضا ولا يوضع على جدول الاعمال.

واكد ابو الهيجاء ان مشروع العيش المشترك فاشل منذ كان فكرة وذلك من خلال طرح يهودية الدولة وديمقراطيتها التي تصب في صالح الاسرائيليين فقط وتستثني العرب.

 

عودة: التعايش قبل النكبة كان أفضل

وعلى نفس الصعيد يرى النائب رئيس القائمة المشتركة المحامي ايمن عودة، ان الشعوب تستطيع ان تعيش بعضها مع بعض، فمؤخرا صدر للكاتب "هيلل كوهين" كتاب يتحدث عن علاقة العرب واليهود قبل قيام الدولة، وهو يبرز ان اليهود عاشوا حياة وئام طبيعية طيلة الفترات التي عاشوا فيها في هذه الديار، والمشكلة التي برزت بين الشعبين بدات في العشرينيات من القرن الماضي حيث ارادت الحركة الصهيونية إقامة وطن قومي لليهود على حساب شعب فلسطين.

وأضاف عودة: "هذا يؤكد أن الشعبين يستطيعان ان يعيشا معا ولكن بعد الانتصار على المشاريع العنصرية التي تسعى الى ترسيخ الفوقية لشعب على آخر، وهذا حصل مع كثير من الشعوب مثل السود في اميركا وجنوب افريقيا، ففي اميركا بعد تحقيق الحقوق المدنية في الستينيات من القرن الماضي وفي افريقيا بعد الانتصار على ظلم الابرتهايد".

وتابع النائب عودة قائلا: انا اتحدث معكم من حيفا المدينة التي اثبتت قبل قيام الدولة بان الشعبين يستطيعان العيش معا حتى في ظل التمييز العنصري فهناك مساحات للعيش المشترك، نحن لا نستطيع اتهام شعب بانه عنصري منذ الولادة ولكن المشكلة الان في حضانات الاطفال، ومناهج التعليم وفي وسائل الاعلام التي تبث العنصرية والفرقة.

ولمعرفة رأي عائلة يهودية تسكن في قرية عين حوض المهجرة "عين هود" وتحسب على التيار اليساري، تحدثنا مع "ايفانا رطنر" التي تعمل محاضرة ومنسقة اتصالات وحوار التي قالت: من الممكن ان يكون عيش مشترك لانه لا يوجد لدينا خيار، فليس لدينا بلد آخر، ولا يمكن أن يكون هناك العيش معا طالما أن الاعتقاد هو أن إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي. واضافت رطنر: "التعايش يتم فقط مع المعنيين من اليهود الذين لهم أصدقاء من العرب، والعرب الذين لهم اصدقاء من اليهود، والحياة المشتركة ممكنة لأولئك الذين يريدون ذلك.

وترى رطنر ان الفرق بين العرب واليهود في التعايش هو فرق في الدوافع فاليهود بدأوا خطوات نشطة لتعزيز الخطاب الشائع في بعض الأحيان عن قناعة وأحيانا بسبب الاعتقاد بأنه لا يوجد بديل، والعرب شرعوا في اتخاذ إجراءات مشتركة لأنهم يعيشون في بلد واحد مع اليهود والعيش معا هو ضرورة بالنسبة لهم وفي بعض الأحيان إجراءات مشتركة الشرعية هي فقط من خلال الأعمال المشتركة. 

واقرت رطنر ان اليهودي الذي يقوم بالتعايش يقوم به لانه يعلم أن بلاده تتبع سياسة التمييز والعنصرية والإقصائية، لذلك لا بد له من ملء الفراغ الذي خلفته الدولة بمعنى انه "يرفع ظلما"، بينما يخلق المواطن العربي منبرا لروايته العربية ويعتقد أن التعاون هو أفضل حالا معه، وفي بعض الاحيان لا يجد له بدا من ذلك بسبب السياسة المتبعة. 

وتضيف المحاضرة رطنر، "يفهم اليهود والعرب الذين يقومون باعمال ايجابية ان اعمالهم تعتبر تخريبية في دولة يهودية وطنية وقومية، ونفس النشطاء ينتجون حديثا آخر تخريبيا بالنسبة لقلة من الناس وهذه الفكرة لا تجد لها قبولا احيانا لكنها تعطي قوة لاولئك الذين يعملون معا واليهودي والعربي يستحدثون وجهة نظر كوكلاء تغيير وهذه القلة القلية ستكون القائدة في التغيير القادم. 

وتؤكد رطنر ان الوضع الحالي سيستمر حتى يأتي قائد يفهم ان فكرة دولة اسرائيل تتحول الى "ابرتهايد" لا تطاق، ولذلك من الضروري ان يكون هناك حل عادل لحياة مشتركة.

 

  • أعد هذا التقرير ضمن دورة فنون الكتابة الإخبارية بمركز إعلام الناصرة 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018