مهن قديمة تصارع للبقاء.. وأصحابها في مهب البطالة

 

أطاح التقدم التكنولوجي وانفتاح قطاع غزة على الأسواق العالمية، لا سيما البضائع الصينية الرخيصة، بعدد من المهن التي ظلت حيوية ورئيسية قرونًا من الزمن، وبات العاملون فيها مجبرين على البحث عن مهن جديدة، ليعيلوا أسرهم.

كانت الحياكة أو "الخياطة"، واحدة من أبرز تلك المهن، التي لم تعد تصلح للعصر الحالي، كما يقول ممتهنوها، فبعد أن كان الناس يفصلون ملبوساتهم لدى الخياطين، أصبح الكل يشتري الملابس الجاهزة، بكلفة أقل حتى من ثمن القماش.

 

الخياطة.. مهنة بالية

تقول الحاجة أم ياسر سليم، من جنوب قطاع غزة، إنها امتهنت الحياكة لأكثر من 25 عامًا، وكان منزلها الذي حولته إلى ما يشبه المشغل يغص بالزبونات، ممن كن يأتينها من كل حدب وصوب، بعد أن شاعت شهرتها.

وأوضحت أنها كانت تخيط الملابس النسائية بجميع أنواعها، وحتى جهاز العروس، وكانت تمتلك ثلاث ماكينات، لكل واحدة وظيفتها الخاصة.

وبينت سليم أنه "بعد قدوم السلطة الفلسطينية في عام 1994، بدأت الأحوال تتغير، فقطاع غزة والأراضي الفلسطينية فتحت على مصراعيها أمام العالم، وبات المستوردون يجلبون الملابس "ع الموضة"، وبأسعار رخيصة، وهذا جعل الناس ينصرفون عنا، لشرائها".

وتابعت: "تكدست الملابس في الأسواق، وبات الباعة يتنافسون من أجل جذب الزبائن إليها، وهذا وجه ضربات متتالية لعملنا، الذي بدأ يفقد رونقه وزبائنه، حتى اضطررت أخيرًا لتحويل العمل إلى مجال آخر، وهو إصلاح الملابس، أو تقصيرها، لكن هذا العمل لم يكن مجديًا، ولا يدر دخلاً جيدًا، فقررت أخيرًا بيع الماكينات بثمن زهد، وتخليت عن مهنة لازمتني عمرًا.

أما المواطن إسماعيل زكي، فكان يعمل في مصانع حياكة، تورد ملبوسات لمحال تجارية، وتجار جملة، لكن هذه المصانع التي كلفت أصحابها مئات آلاف الدولارات توقفت هي الأخرى، وتم تسريحه وعشرات العمال المهرة.

وقال إنه وجد نفسه مجبرًا على البحث عن مهنة جديدة، لإعالة أسرته التي يبلغ عدد أفرادها تسعة، منهم من يدرسون في الجامعات، وبحاجة لنفقات عالية.

وانتقد زكي سياسات السلطة، التي فتحت باب الاستيراد على مصراعيه، دون أن تراعي حقوق القطاعات المتضررة جراء ذلك، فكان لزامًا عليها أن تجد حلولاً لمن تضرروا جراء ذلك.

 

راعٍ بلا مرعى

وفي غزة، حيث تتقلص المساحات الخضراء، وتتآكل المراعي على حساب الزحف العمراني، تواجه أقدم مهنة عرفتها البشرية خطر الاندثار، حيث يكابد عشرات الرعاة من أجل الحفاظ على مهنتهم، التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ويجولون المناطق الريفية طولها بعرضها، بحثًا عن مناطق مفتوحة ومراعٍ مليئة بالعشب، لإطعام قطعان الماشية التي يمتلكونها.

يقول المواطن إسماعيل أبو حماد (37 عامًا)، ويعمل راعيًا في منطقة جنوب قطاع غزة، إن المراعي تآكلت، فبعضها تحول إلى مزارع لزراعة الخضراوات، وأخرى بساتين للأشجار المثمرة، ناهيك عن الزحف العمراني الذي ضاعف من سرعة تآكلها.

وأوضح أبو حماد، وكان يقود قطيعًا يضم عشرات رؤوس الأغنام، أنه يبذل جهودًا مضاعفة، ويتنقل بين منطقة وأخرى باحثًا عن الأعشاب اليافعة، لقلة وجودها. وبين أبو حماد أن الأمطار التي تتناقص عامًا بعد عام، أثرت سلبًا على جودة المراعي وطول الأعشاب، في حين أنهم محرومون من الوصول لأفضل المراعي التي تقع قرب الحدود، خوفًا من تعرضهم لإطلاق نار إسرائيلي، وهو ما حدث مع كل راعٍ أو مزارع حاول الوصول لتلك المناطق.

وتوقع أبو حماد أن تشهد مهنتهم مزيدًا من التراجع في السنوات المقبلة، موضحًا أنهم باتوا يعتمدون على بقايا مزارع الخضار التي انتهى ملاكها من حصادها، ليجمعوا سيقان البصل، أو أشتال البطاطا والطماطم، لإطعام ماشيتهم، التي لا يستطيعون توفير كلفة الأعلاف المرتفعة لها.

 

الساعاتي يصارع الوقت

ولم تكن مهنة إصلاح الساعات "الساعاتي"، أفضل حالاً، حيث شهدت تراجع الإقبال عليها، بعد التطور التكنولوجي، واندثار الساعات اليدوية، واعتماد معظم الأشخاص على الساعات الرقمية في هواتفهم النقالة.

وبالرغم من الصعوبات وتراجع الزبائن، إلا أن المواطن أبو فادي بهار في العقد الخامس من عمره، يكابد للحفاظ على مهنته التي عمل فيها عقودًا طويلة، ويحاول أن يطور من أدائه تلافيًا لإغلاق محله، كما فعل كثيرون قبله.

بهار يجلس في شارع الجامعة غرب مدينة غزة، أمام بسطته التي تحوي أدوات وقطع غيار للساعات، تحت يافطة كتب عليها "يوجد لدينا تصليح ساعات". وبالإضافة لصيانة الساعات، وسع بهار مجال عمله، وأتقن إصلاح ساعات الحائط، والقواميس الإلكترونية الناطقة، والآلات الحاسبة، ويسعى للمزيد من التطور، ويأمل بإتقان إصلاح الهواتف النقالة.

وقال: "أعمل في مهنة تصليح الساعات منذ أكثر من عشرين عامًا، واكتسبت الخبرة من الممارسة والعمل فيها منذ زمن بعيد عن طريق تفكيك الساعات وتركيب أجزائها وإصلاحها".

وأوضح أبو فادي أنه يعلم جيدًا أن مهنته تواجه خطر الاندثار، لكنه في حال تركها وأغلق بسطته، فلن يأتي بقوت يومه، فلا بديل أمامه غيرها".

وأوضح أنه بدأ يتكيف مع الواقع الجيد، ويطور ويوسع من أدائه، للحفاظ على مصدر دخله، مشتكيًا من صعوبات في العمل بعد إغلاق المعابر، وفرض الحصار، فهذا أثر بشكل كبير على عمله، فالقطع المستخدمة من بطاريات وغيرها لا تصنع بغزة، ويتم استيرادها وتأتي فترات يندر وجودها في السوق فيرتفع ثمنها، لكن التاجر لا يستطيع رفع السعر، حيث ارتبط بذهن المواطن أن سعر البطارية مثلاً 5 شواقل، ولا يستطيع رفع السعر مهما بلغت تكلفتها عليه. 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018