المريضات نفسيًّا في غزة.. العلاج وحده لا يكفي

 

تنتظر "نداء ك." بشوق وحنين رؤية أطفالها الخمسة الذين لم ترهم منذ بضعة شهور، فهي "متعبة نفسيًّا"، وتتلقى العلاج في مركز للأمراض النفسية بعيدًا عن بيتها وأسرتها ومجتمعها.

نداء وعدد من النسوة والشابات الصغيرات يتلقين العلاج في "مركز التأهيل النفسي والمجتمعي" وسط مدينة غزة؛ الخاصّ باستقبال وعلاج حالات الإدمان والأمراض الذهانية والنفسية المختلفة، وقد بدأت قصة نداء بعد أن عاشت مع زوجها حياة كلها شقاء ونكد، الذي طلقها لاحقًا وحرمها من أطفالها.

تقول: "أصبحت تائهة، لا أعلم ماذا أفعل. ومجتمعنا لا يرحم، فعندما أكنت أذهب لبيت أهلي هروبًا من جحيم زوجي، كنت أجد جحيمًا آخر ينتظرني؛ جحيم أهلي والمجتمع من حولي. إن المعاملة القاسية التي أتلقاها أنا وغيري من النساء لا يمكن أن يحتملها عاقل. وأخشى أن يتكرر ذلك مع أطفالي في المستقبل".

في حديقة المركز، كانت الخمسينية "هند ف." تلعب وبضع نساء مع مختص نفسي. سألناها عن مشاعرها لوجودها في عزلة عن محيطها الخارجي، فقالت: "أشعر بتحسن كبير وأتمنى أن أعود للمجتمع من جديد، ولكن أكثر شيء أخاف منه هو أن أخرج وأجد من يشير إلي بإصبعه بأنني مجنونة، رغم أنني فعليًّا أشعر أنني قادرة على الاندماج في المجتمع بروح جديدة".

رئيسة قسم النساء في المركز ختام الشيخ علي قالت إن الكثير من الفتيات والنساء اللواتي يترددن على المركز يفتقدن الاهتمام والمتابعة من قبل ذويهن، وهو ما يفاقم حالتهن النفسية يؤخر شفاءهن التام، داعيةً الأهالي لبذل مزيد من الجهد ومنح المزيد من الوقت لهؤلاء النساء للمساهمة في عودتهن لحياتهن الطبيعية.

مديرة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة سابقًا د. خضرة العمصي قالت إن مركز التأهيل النفسي المجتمعي يضم عدة أقسام: قسم خاص بحالات الأمراض الذهانية الحادة، ويسمى قسم الدخول ويشمل قسم الرجال وفيهه 13 سريرًا وقسم النساء وفيه 10 أسرة، وقسم الطب النفسي الشرعي وبه 4 أسرة، وقسم الرعاية النهارية، وقسم رعاية المدمنين، وقسم الاستقبال والطوارئ، مشيرةً إلى وجود ستة مراكز صحة نفسية مجتمعية موزعة على أنحاء قطاع غزة تهدف إلى تقديم الرعاية النفسية الوقائية والعلاجية.

وأكدت العمصي أن الحالات التي تأتي لقسم الدخول –قسم الأمراض الذهانية- في الغالب تأتي برفقة الأهل أو الشرطة ولا نقبلها إلا بعد فحصها إكلينيكيًّا، والتأكد من انطباق معايير الدخول عليها مثل عدم الاستجابة للعلاج، أو ظهور أعراض نفسية حادة، بحيث تشكل الحالة خطرًا على نفسها وعلى من حولها، أو أنها حاولت الانتحار، مشيرة إلى أن سبب هذه الحالات في الغالب إما القتل أو السرقة أو حالات التعرض لاعتداء جنسي أو لواط أو اغتصاب أو حالات طلاق أو مشاكل أسرية.

من جهتها، أشارت الأخصائية النفسية نداء أبو الكاس إلى أهمية دور الأسرة والمجتمع في دعم النساء اللواتي يعانين من أية أمراض نفسية حتى لو كانت بسيطة وعرضية، لأن سوء التصرف وإشعارهن بأنهن مصدر حرج أو عار يمكن أن يزيد المشكلة لا أن يحلها.

كما اعتبرت منسقة مكتب غزة في جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية وجدان البيومي، أن "النساء الفاعلات والمنتجات يواجهن انتقاصاً لقدراتهن في البناء والمشاركة من قبل المجتمع، فما بالنا بما يمكن أن تعانيه المرأة ذات الوضعية الصحية الخاصة لا سيما إذا كان الموضوع مرتبطًا بالصحة والسلامة النفسية؟!".

وتابعت: "لا ينظر للمرض النفسي على أنه علة صحية كأي مرض يتعرض له الإنسان ويمكن أن يعالج ويتم الشفاء منه، حيث تعزل النساء المريضات في منازل ذويهن لإبعادهن عن عيون الناس دون محاولة علاجهم عبر مختصين"، مشيرةً إلى أنه بممارسة سلوك العزل تزيد المشكلة تعقيدًا، وعندما يتفاقم الوضع الصحي ويستعصي إخفاء حالتها الصحية، يدفع الأهل بالنساء إلى مستشفى الطب النفسي. 

ونوهت البيومي إلى أن "أوضاعنا الفلسطينية العامة تجعل مجتمعنا مؤهلاً لظهور جملة من الاضطرابات النفسية التي يمكن أن تتطور إلى أمراض نفسية تصل في بعضها إلى الإصابة بالجنون".

ودعت الجهات الحكومية، لا سيما وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، إلى إيلاء الاهتمام اللازم لهذه الفئة، عبر دمج الرعاية النفسية كإحدى الخدمات المقدمة في خدمات الرعاية الأولية، وبناء مصحات نفسية استشفائية مجهزة، وتخصيص دور رعاية للحالات الحادة المزمنة وإدماجهن في برامج اجتماعية خاصة، وتخصيص موازنة من خلال صندوق للضمان الاجتماعي يشمل تلك الفئات التي يتنكر لها المجتمع.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018