العالم العربي بين الهوية الوطنية والفسيفساء الديني

 

تعج المنطقة العربية بجملة من المتغيرات الدراماتيكية التي عصفت ببنية النظام السياسي العربي وجعلته في حالة من الارتباك والتخبط، منذ اندلاع ثورة الياسمين في تونس نهاية عام 2010، والإطاحة بنظام زين العابدين بن على.

عدوى تونس انتشرت كالنار في الهشيم، فأصابت الدول العربية تباعاً، من ليبيا إلى مصر، مرورًا بالبحرين واليمن وسوريا، واقتلعت أنظمة سياسية ضربت جذورها عميقًا في هذه الدول على مدار عدة عقود مضت.

في ضوء ذلك، كانت المواقف العربية مختلفة في التعاطي مع هذه المتغيرات، بين من وصفها "بالربيع العربي"، وهو المصطلح الذي أطلقه عليها الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومن اعتبرها مؤامرة وإعادة تقسيم للمنطقة، أي "سايكس بيكو" جديد، مستنداً على مقولة الفوضى الخلاقة التي أطلقتها وزيرة الأمن القومي الأميركي كونداليزا رايس عام 2003.

وبين تباين المواقف على مستوى النخب والجماهير في التعاطي مع هذه المتغيرات التي لا تزال تعصف بالمنطقة العربية وتأخذ أبعادًا ومنحنيات مختلفة، يبرز مفهوم الهوية العربية كإحدى أبرز الإشكاليات التي ترادف عملية التحول أو التغير الذي تمر به المنطقة العربية في ضوء ما يعصف بها من متغيرات، وخاصة في ضوء تنامي بعض الأدوار الإقليمية المؤثرة في المنطقة العربية، لدول طالما كانت لها مشاريعها وأطماعها في العالم العربي، وهي إسرائيل وتركيا وإيران، وهي ثلاث قوى إقليمية مؤثرة على مدار التاريخ في المحيط العربي باختلاف درجات هذا التأثير من دولة إلى أخرى.

والدول الثلاث تمتلك من مقدرات القوة الناعمة والصلبة ما يسمح لها بالتأثير المباشر أو غير المباشر في تشكيل ملامح المنطقة العربية وفق أهدافها وتطلعاتها.

ربما يكون المدخل لكل من إيران وتركيا مدخلاً دينياً، كونهما دولتين إسلاميتين ولهما تحالفاتهما في المنطقة، كالمذهب "الشيعي" كما في الحالة الإيرانية، أو المذهب الديني السني والتاريخ السياسي الطويل كما هي الحالة التركية.

أما بالنسبة لإسرائيل، التي تسعى بقوة لجعل الصراع العربي الإسرائيلي يظهر على أساس ديني وتسويقه على هذا النحو، في إطار سعيها نحو يهودية الدولة، لذلك، فإنه يلزم إعادة ترتيب المنطقة على أسس مذهبية وطائفية، لترفع عن نفسها الحرج في طرح يهودية الدولة أمام العرب، وطرد العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، لأنهم ليسوا يهودًا.

هنا تتضح معالم ما يعد له في المرحلة المقبلة في الواقع العربي، وهي حرب طائفية بأبعاد مذهبية، تتجلى بين محورين أحدهما سني والآخر شيعي، لجعل المنطقة العربية تظهر كفسيفساء دينية غير مترابطة ومتداخلة بشكل لا يسمح ببناء هوية عربية واحدة ببعدها الوطني والقومي، تدمر في طريقها كل معالم الحضارة والتقدم والازدهار.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018