اقتصاديون: تذبذب الدولار يزيد الفقير فقرا ويزيد الغني ارتباكا.. والكل في يد أميركا

 

بين ثلاثة شواقل وأربعة، يتذبذب سعر صرف الدولار الأميركي، تاركا اثرا صعبا لا يحسب بضآلة الاغورات، بل بخسائر كبيرة احيانا على الاقتصاد الوطني. حيث تتأثر التعاملات اليومية  في حياة الفلسطينيين نتيجة لهذا التذبذب المستمر، ويؤثر ذلك على الأفراد بشكل خاص والقطاعات الاقتصادية والمؤسسات والشركات بشكل عام. 

 

ضرر في إيجار المنزل

منير القاسم أحد المتضررين من تذبذب أسعار الدولار في فلسطين، كونه موظفا يتقاضى راتبه بالشيقل، في حين أن التزاماته المالية كإيجار المنزل تتم بالدولار، وبالتالي فإنه يضطر لدفع شواقل أكثر عند ارتفاع أسعار صرف الدولار. وعن ذلك يقول: "لدي العديد من الالتزامات التي أسددها بالدولار، فمثلا قيمة إيجار منزلي  تساوي 400$ كنت أسددها بالشيقل في بعض الفترات بما يعادل 1400 شيقل، في حين أني أسددها الآن بما يقارب 1600 شيقل". 

 

تذبذب في تسديد القروض

وتشير ميساء نادر التي تتقاضى راتبها بالدولار إلى أنها تسدد أقساط قرض البنك بالشيقل، وتقول أنه "عند ارتفاع أسعار صرف الدولار، فإن قيمة تسديد القسط بالشيقل ترتفع وأستفيد من فارق السعر، بحيث يكون عدد الدولارات أقل والعكس صحيح، ولذلك يختلف تسديد القسط لدي، إما بزيادة أو نقصان تبعا لأسعار الصرف".

بينما يشكل تذبذب أسعار صرف الدولار لدى خليل مناع وهو صاحب شركة سياحة واستثمار في رام الله، تباينا في الإيرادات والمصروفات، في ظل أن معظم إيراداته بالدولار فيما تكون أغلب مصروفاته، ومن بينها رواتب العمال، بالشيقل. ويوضح مناع: "انخفاض أسعار صرف الدولار مقابل الشيقل يرتب على الشركة التزامات ومصاريف أكبر، والعكس صحيح". 

 

نظام نقدي متعدد العملات 

ويتعامل نظام النقد مع ثلاث عملات رئيسية (شيقل- دولار- دينار)، يعود استخدامها إلى بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994 بين منظمة التحرير والجانب الاسرائيلي، الذي عالج المسائل النقدية المتعلقة في تنظيم النشاط النقدي والمصرفي، بايراد نص يفيد بإبقاء واستخدام الشيقل الإسرائيلي عملة رسمية في مناطق السلطة ويستخدم لتسوية كافة المدفوعات الرسمية وغير الرسمية. 

ويشير الصحافي والمحلل الاقتصادي جعفر صدقة إلى أن الشيقل هو عملة التداول اليومي في البيع والشراء، بينما يشكل الدولار العملة الدارجة في غالبية الاستثمارات، وتسديد الالتزامات، كأقساط القروض، والمدارس، وجزء من المنازل، ويبقى الدينار مستخدما في العقود العقارية، كشراء الأراضي والمنازل وغيرها من العقارات.

 

التركيز على استخدام الدولار 

وأوضح مدير دائرة الأبحاث والسياسات النقدية في سلطة النقد محمد عطا الله أنه تعزز استخدام الدولار في الآونة الأخيرة،  كون مؤشرات الاقتصاد الاميركي تبين أنه يتعافى بمستوى أعلى من المتوقع، وأنه من المرجح أن يرفع البنك الفيدرالي الاميركي سعر الفائدة، ولذلك عززت الثقة بالدولار وزاد الطلب على العملة. 

وبين عطا الله أن اعتماد موازنة السلطة بشكل رئيسي على المنح والمساعدات التي في معظمها تأتي بالدولار، ساهم بتفعيل دور الدولار، لا سيما أن جزءًا كبيرًا من رواتب القطاعات الخاصة بالدولار وله قبول في التعامل في أغلب القطاعات، ومنها المحلات والمطاعم.

 

الوضع الاقتصادي في ظل تذبذب أسعار الصرف 

ويتمخض عن تغيرات أسعار الصرف وجود فئات رابحة وأخرى خاسرة، وذلك تبعا لآلية تعاملها إذا كانت من دولار لشيقل أو العكس.  

ويؤثر التباين في أسعار الصرف أولا على الأفراد الذين يتقاضون وينفقون بعملات مختلفة، ما يؤثر على إمكانية الإنفاق والقدرة الشرائية.

ويوضح صدقة أن "الغالبية العظمى يتقاضون رواتبهم بالشيقل، سواء موظفو الحكومة او عدد كبير من موظفي القطاع الخاص، والعاملون في إسرائيل، وان الارتفاع في قيمة الدولار، كما يحدث حاليا، يشكل ضربة كبيرة لقدرتهم الشرائية، وبالتالي لمستوى حياة أسرهم، بينما من لديه استثمارات مقيمة بالدولار او الدينار، كالأسهم مثلا، او لديه مدخرات بهاتين العملتين، فان ارتفاع الدولار يعني تعظيم ثروته، كما يستفيد منه أيضا من يتقاضون رواتبهم بالدولار كموظفي المنظمات غير الحكومية، وبعض الشركات التي تدفع رواتب بهاتين العملتين".

من جانب التجار والمستوردين، يفسر صدقة، بأن انخفاض الأسعار سيؤثر على مبيعاتهم، ما يجعلهم يرفعون الأسعار ليعوضوا الفرق في البيع كونهم يستوردونها بالدولار ويبيعونها بالشيقل. وارتفاع الدولار يؤدي لارتفاع كلفة الاستيراد من الخارج، خصوصا ان عددا كبيرا من السلع، لا سيما الأساسية، أسعارها مقيمة بالدولار وتدفع بالدولار، ما يعني في النهاية المزيد من الاعباء على المواطنين وإضعاف قدرتهم الشرائية. 

ويوضح صدقة: "كذلك الامر مع الشركات التي تبيع منتجاتها من سلع وخدمات بالشيكل، بينما عملة موازنتها بالدولار او الدينار، فان ارتفاع الدولار خلال السنة الأخيرة ترك آثارا سلبية على صافي أرباحها، وهناك الكثير من الشركات اظهرت ميزانياتها ارتفاعا في إيراداتها وارباحها عند احتسابها بعملة الشيقل، بينما انخفضت هذه الإيرادات والأرباح عند تحويلها إلى الدولار او الدينار".

 

ضرر على وزارة المالية ايضا

أما على مستوى القطاع العام، فيبين عميد كلية الاقتصاد في جامعة النجاح طارق الحاج أنه "مع ارتفاع الدولار تنخفض إمكانية الإنفاق لأنهم يتقاضون بالشيقل، وتصبح المقدرة الشرائية أقل، وإمكانية حصول وزارة المالية الفلسطينية على الدعم والمساعدات بسبب ارتفاع الدولار سوف تقل.  وبالإضافة إلى ذلك، ستزيد صعوبة قدرة الوزارة على سداد الالتزامات، والمشاريع المنجزة لحساب السلطة ستنخفض، لأن هذه المشاريع تكون مبرمة باتفاقات بالدينار أو الدولار، بينما إيرادات السلطة الفلسطينية من الضرائب بالتحديد هي بالشيقل الإسرائيلي وبالتالي، فالقيمة الحقيقية للإيرادات تنخفض، وبالتالي المقدرة على الإنفاق وتسديد الديون تقل". 

 

محاولات للحد من أثر التذبذب 

ويشير عطا الله إلى أن إحدى الطرق التي تخفض فيها تداعيات هذه التذبذبات، هي جعل مصادر الدخل بنفس عملة الالتزامات قدر الإمكان، وفيما يخص بعض المؤسسات، يقول عطا الله: "لجأت بعض الشركات لحلول بديلة من خلال تثبيت سعر صرف داخلي معين بغض النظر عن سعر الصرف الحالي سواء أعلى أو أقل".

في المجمل، فان استمرار هذا الوضع النقدي لغياب عملة وطنية ووجود ثلاث عملات أجنبية متداولة رسميا، يجعل من المواطن الفلسطيني عرضة لتأثيرات حادة لتقلب أسعار الدولار، كما يبقي قدرة السلطة على وضع سياسات نقدية واقتصادية تخفف على المواطن وتحقق له سبل العيش الكريم، قريبة من الصفر.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018