إفرازات الانتخابات الإسرائيلية

أهم نتائج الانتخابات الاسرائيلية هي أنها أفرزت أكثرية يمينية في الحكم وأكثرية عربية في المعارضة.

أما الأكثرية اليمينية، فقد حصدت 67 مقعداً من مجموع 120، ما يتيح لليمين –حسب المفترض-  أن يقيم حكومة ثابتة. ونقول حسب المفترض، لأن رئيس الحكومة المنتصر بنيامين نتنياهو، يحاول التهرب من هذه النتائج ويواصل ما بدأه في المعركة الانتخابية من طعنات في ظهر رفاقه في اليمين، ليقيم حكومة "وحدة وطنية" مع معسكر حزب العمل المعارض بقيادة يتسحاق هيرتسوغ وتسيبي ليفني (الذي سمى نفسه "المعسكر الصهيوني"، الحائز على 24 مقعدا). 

فنتنياهو، حصل على 30 مقعدا، بخطة طافحة بالدهاء. إذ إنه يئس خلال المعركة الانتخابية من الحصول على أصوات من قوى اليسار والوسط فلجأ إلى جمهور رفاقه وحلفائه في اليمين وخصوصا بين المستوطنين وبين اليهود الروس والشرقيين. وراح ينافسهم في التطرف اليميني العنصري ("لن تقوم دولة فلسطينية في عهدي"، و "أنقذوا الدولة، فالناخبون العرب يتدفقون على الصناديق"). ونجح في تحطيم ثلاثة أحزاب هي: البيت اليهودي، وهو حزب المستوطنين برئاسة نفتالي بينيت، الذي هبط من 12 الى 8 مقاعد، وحزب اسرائيل بيتنا برئاسة أفيغدور ليبرمان، الذي هبط من 13 الى 6 مقاعد. وحزب شاس لليهود الشرقيين الذي هبط من 11 الى 7 مقاعد. 

ومع بدء المفاوضات لتشكيل حكومته الجديدة، رفض مطالب الأحزاب الثلاثة في تقاسم كعكة الحكم. رفض طلبي بينيت وليبرمان تعيينهما في أحد المنصبين:  وزير دفاع ووزير خارجية. ويحاول إقناع رئيس شاس أرييه درعي بالتخلي عن منصب وزير الداخلية. وهم من جهتهم يتصرفون كبالع الموسى. لا يتركونه خوفًا من تشكيل حكومة من دونهم. ولكنهم غاضبون عليه غضبًا شديدًا. ويهاجمونه بصوت خافت. وينبطحون أمامه حتى يمن عليهم بالفتات. وهو من جهته يتبغدد عليهم. ويتهمهم بمحاولة إسقاط حكم اليمين بسبب طمعهم بالوزارات ويهددهم بـ "اللجوء مضطرًا إلى حكومة وحدة مع هيرتسوغ".

في الأحاديث الداخلية، يتحدث بينيت وليبرمان عن "أكبر خديعة ينفذها سياسي إسرائيلي ضد رفاقه في معسكر اليمين" وعن "خوف نتنياهو من ضغوط الرئيس الأميركي باراك أوباما ودول الاتحاد الأوروبي"، بل وعن "خطة للتراجع في موضوع الاستيطان والمفاوضات حول إقامة دولة فلسطينية بحجة عدم تشكيل حكومة يمين تقود إسرائيل إلى عزلة شديدة" وغير ذلك. ويرد بعض الموظفين في مكتب نتنياهو أن "الحكمة تتطلب حكومة مسؤولة تصد العزلة"، وهو ما يفسره الخبراء والمعلقون على أنه تمهيد لجلب هيرتسوغ، "فهو يخشى فعلا من العزلة ويفضل أن يكون في وزارته هيرتسوغ وليفني اللذان سيسعدهما التنقل من دولة لأخرى لتمثيل الخط المعتدل، فهذا هو السبيل لأن يظل المسار السياسي جامدًا والعالم يصفق لإسرائيل". ولا يتردد البعض في وصم هيرتسوغ على أنه ينوي أن يشتغل في حكومة نتنياهو "ورقة تين تستر العورات". والحجة التي يمكن أن يتذرع بها جاهزة: الأوضاع الطارئة في المنطقة في ظل الاتفاق بين إيران والدول العظمى حول المشروع النووي. 

هيرتسوغ من جهته، نفى أن يكون على استعداد لدخول حكومة نتنياهو. ولكن نفيه جاء نيئًا ومائعًا. ولا يستبعد أن يجد نفسه في حكومة كهذه، مع العلم بأن هذه الفكرة تلقى معارضة لدى ثلث كتلته البرلمانية (الثلثان الباقيان يتأرجحون بين مؤيد ومتردد). ولكن، في حال رفض هيرتسوغ بشكل حقيقي، هناك حزب آخر مرشح للدخول مكانه هو حزب "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد. وهو أيضًا يصلح أن يكون "ورقة تين" ويصلح أن يكون سوطًا بيدي نتنياهو، يهدد به رفاقه في اليمين. 

خلاصة القول أن نتنياهو لا يعرف المبادئ، وليس له صاحب، ولكنه فنان في التهرب من الالتزامات وفي الوقت نفسه الحفاظ على الحكم.

من الجهة الأخرى، جاء انتصار "القائمة المشتركة"، التي تحالف في إطارها أكبر الأحزاب العربية الوطنية: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة الاسلامية والحركة العربية للتغيير والتجمع الوطني، وحصلت على 13 مقعدًا، بزيادة مقعدين عما كان لها وهي مفرقة في ثلاث كتل انتخابية. فهذا مكسب وطني كبير للجماهير الفلسطينية في إسرائيل. ينطوي على مغزى أكبر بكثير من مسألة عدد النواب. فالوحدة الوطنية مطلب جماهيري ملح. وجاءت القائمة بوجوه جديدة على الساحة القيادية: رئيس القائمة أيمن عودة ومعه ثلاثة نواب آخرين جدد بينهم امرأة من الجبهة (عائدة توما ويوسف جبارين وعبد الله أبو معروف)، ونائبان آخران جديدان أحدهما من الحركة الإسلامية (عبد الحكيم حاج يحيى)، والثاني من العربية للتغيير (أسامة السعدي). ولأول مرة، توجد نائبتان عربيتان في الكنيست (عايدة توما وحنين زعبي) وهذه إشارة مهمة لتقدم مكانة المرأة في قيادة العمل السياسي. 

ولعل الأمر الأهم هو الخطاب السياسي الجديد الذي تطرحه القائمة المشتركة تجاوبًا مع مطالب الجماهير، وهو: تركيز جل الاهتمام على مهمة التأثير على السياسة الإسرائيلية. فهم يشكلون الآن ثالث أكبر كتلة في الكنيست بعد الليكود والمعسكر الصهيوني. ولديهم وعي واضح بضرورة التأثير لتغيير سياسة الحكومة وسياسة المواطنين اليهود عمومًا في أربع قضايا أساسية: السلام والمساواة والعدالة والديمقراطية. فهذه القيم باتت في خطر في إسرائيل. ونحن الفلسطينيين أول ضحاياها. وتقع علينا مسؤولية كبيرة، لم نستنفدها في الماضي كما يجب، وعلينا اليوم أن ندير سياسة حكيمة تجعلنا مؤثرين فيها. 

وعلى الرغم من أن هذا الخطاب جديد، ويعبر عنه بشكل أساسي أيمن عودة ومعه بعض ولكن ليس جميع النواب العرب، إلا أن أثره بدأ يظهر خلال المعركة الانتخابية. فقد أعلن كثير من المعلقين أن "القائمة المشتركة" هي الوحيدة من بين الكتل التي تحمل في رحمها طاقة أمل.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018