أشياء كثيرة يقدمها الألماني كليمنس لفلسطين

04/17/2015

 

في 27/1/1997، كانت أول مرة يأتي فيها الهيدروجيولوجي الألماني كليمنس مسرشميد إلى فلسطين، بعد أن كان بحثه في الماجستير عام 1993 يختص بهيدرولوجية حوض وادي العرب في الأردن، وانتقل بعدها لفلسطين للعمل في مشاريع تخص المياه، وأول مشروع كانت مدته ثلاثة أشهر وتلته مشاريع أخرى تخص المياه والمجاري وحفر الآبار، فبقي بسببها في فلسطين.

الجو الإنساني أكثر ما يجذبه في فلسطين، ويرى أحياناً أن له امتيازاً لكونه أجنبيا، ما يسهل تعامل الناس معه، وبنفس الوقت، لأنّه في فلسطين منذ 18 عامًا، فهو يعلم أنه لم يعد أجنبياً جديداً، لم يعد يرى نفس الإقبال و"الانبهار" بالأجنبي كما كان عند بداية قدومه. كان يرى الخوف أيضاً في عيونهم أحياناً، وهو في سيارته ذات النمرة الصفراء فيظنون أنه مستوطن، ولكنه يؤكد أنّ تفهم الناس سريع ومباشر له متى ما وضّح الصورة.

رام الله بالنسبة إليه ليست فلسطين، ليست كما المدن الأخرى، فهي "احتلال خمس نجوم"، فحتى في المدن الكبرى في فلسطين كنابلس والخليل، يذكر لنا كيف يعرف الكل بعضهم، والموارد المالية في المدن والقرى الأخرى أقل، ولكن التكافل الاجتماعي جيد جداً، ويؤكد أن هذا جيد له لأنه أجنبي، لكنه لم يكن ليكون جيداً لو أنه فلسطيني، فيرى أنّ الناس كانت ستتدخل في كل أفعاله وأعماله.

لم يكن اندماجه في الحياة في فلسطين صعباً، ويروي سهولة تأقلمه وكثرة الصداقات الموجودة لديه، خاصةً في بداية وجوده في فلسطين، وحتى في الحب، فقد أحبّ يهوديةً يسارية لمدة سبع سنوات، بعدها فلسطينية من الداخل المحتل، وهو الآن مع ألمانية، فحتى حياته العاطفية لم يجد فيها مشاكل مع الجيران والمحيطين له، ليؤكد بذلك على امتيازه كأجنبي يسمح له بالعديد من الممنوع عرفاً على أي فلسطيني، فلا أحد يعلق أو يتدخل في حياته الخاصة.

حب المدن لديه ليس الأساس، فالقدس بالنسبة لكليمنس مدينة مشحونة "مليئة بالضغط والتوتر"، وهو يرتاح عندما يرى "قفص الدجاج Chicken-point قلنديا"، وأحب مكان إليه الريف الفلسطيني خاصةً شمال الضفة، كونه عهده وعرفه أكثر، وكونه عمل فيه أيضاً.

كليمنس مسرشميد، الخبير الألماني الذي أمضى حوالي 18 عاماً في فلسطين يشتاق لأمور محددة في ألمانيا، فهو تحديداً من بافاريا، يشتاق للمكتبة أو للدكان الذي يستطيع أن يشتري منه كتباً كثيرةً في أي منطقة، ويشتاق لجرائد غنية وتقرأ بسهولة، ويشتاق للخبز الألماني الثقيل المكون مناصفةً من القمح وحبوب الجاودار –حبوب قريبة من الشعير-، ويشتاق لبعض الأصحاب، ويشتاق إلى لحم الخنزير شبه المفقود هنا، وهو يحب البحيرات والجبال الألمانية والسباحة فيها، ويشتاق حتى لركوب الدراجة الهوائية في شوارع مجهزة لها.

وأكثر ما يزعجه في فلسطين المشاكل السياسية، ففي العمل خاصةً، العمل غير منظم أبداً، وربما هذا مريح لأعصابه أحياناً، وهو يرى أنه بهذه الطريقة لا يحتاج لأن يحسب لغده كثيراً، ولكن أكثر ما يستفزه الآن "عدم وجود سياسة، وعدم وجود حركة شعبية فعالة على الأرض. وأصبحت الناس تتحدث عن السياسة وكأنها تتحدث عن الطقس"، ومن هنا، يرى أنّ المسؤولية السياسية اختفت.

يضايقه في السياسة في فلسطين أيضاً "أن اليسار ضعيف جداً، فالناس ينظرون للعدالة على أنها وطنية فقط، وفي أميركا الجنوبية يتحدث الناس عن العدالة بكونها اجتماعية، فالعمل للمستقبل هنا غير موجود، الجميع ينتظر قائداً، وإن لم يجدوا قائدًا، فلن تكون هناك مقاومة".

ويتحدث أكثر عن العمل في فلسطين، ويقول: "بدأت كل المشاريع المائية بعد أوسلو 2 في 1995، ووقتها كان من المفترض بدء العمل الفعلي على الأرض في التطبيقات المائية، لكن اختفى التقدم شيئاً فشيئاً، فسحبت الدول المانحة أموالها، ولم تقم السلطة بدورها المفروض، فأصبحت تهتم بإحضار الأموال دون النظر إلى مكان إنفاقها"، ومن هنا يرى أنّ ثقافة المشاريع انتشرت وأصبحت طاغيةً على كلّ شيء، ومن هنا، تراجعت مشاريع المياه ولم تعد فعالة، وسبب أزمة المياه "التي يعرفها كل ولد في كل قرية هي أن الوصول لمصادر المياه غير ممكن".

بعض المشاريع التي عمل عليها كانت تطبيقيةً أو بحثيةً بحتة، وتختص معظمها في موضوع الآبار والمياه الجوفية في فلسطين، ومن 2005 إلى الآن وهو مستشار خاص يعمل على الدكتوراة خاصته في موضوع تجديد المياه في وادي نطوف– غرب بيرزيت شمال رام الله، شمال غربي القدس– والحوض الغربي في الضفة الغربية.

وقد اختص بالحوض الغربي لأنه بدأ العمل فيه في عدة مشاريع سابقة ولم ينته، فالعمل يكون صعباً خلال الانتفاضات وفي المشاكل السياسية القائمة. والحوض الغربي هو أكبر حوض في فلسطين التاريخية، وتسقط فيه أكبر نسبة أمطار في فلسطين، ومنذ بداية الاحتلال، لم يتم التطوير عليه أبداً، وتابع: "عدد الآبار التي حفرت منذ الـ67 عدد مهم، وهو صفر!".

ويجزم كليمنس بهذه العبارات أنّ التراجع واضح منذ وقت قدومه إلى الآن، ولكن يصر أيضاً على أن "فلسطين فيها فرصة، وهي مهمة للعمل، وعملي هنا مهم وغير ممل، ومن المفترض أنّ عملي كهيدروجيولوجي هو عمل فني بحت، ولكن عملي هنا له معنى سياسي أيضاً، فأنا أحب السياسة. أنا هيدروجيولوجي وهيدروسياسي أيضاً".

والمياه الجوفية، كما يقول كليمنس، هي الأغنى، وهي المصدر الأعلى للمياه في فلسطين، والحل الوحيد لزيادة المياه في فلسطين هو حفر الآبار، وكل حلول المياه برأيه تأتي بعد حل موضوع الآبار، "فالآبار والآبار والآبار" هي الحل لمشاكل المياه. 

وختم كليمنس المقابلة بهذه المعلومة المائية المهمة: "كان الرقم الرسمي الذي منح للفلسطينيين في أوسلو 118 ميلون كوب في السنة، ووصلنا الآن إلى 85 مليون كوب في السنة!". 

 

طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018