نيسان شهر الخميس.. مواسم للبهجة والفرح

 

نيسان في التراث الفلسطيني هو عنوان للبهجة والفرح والاحتفالات والمواسم، وقد تعارف الأجداد على تسميته "شهر الخميس"، لأنهم في كل يوم خميس من هذا الشهر يجرون احتفالاً مشهوداً، وهم يقسمون الشهر إلى أربعة أيام خميس: (الأول خميس النبات، والثاني خميس الأموات، والثالث خميس البيض، والرابع خميس البقرات). كما تقام فيه مواسم أخرى يحتفى بها كل عام.

 

خميس النبات أو البنات 

الحاجة صبحة جوابرة (80) عام تقول: "في الخميس الأول من شهر نيسان، تخرج الفتيات غير المتزوجات إلى الحقول ويجمعن الأزهار، ويضعنها في إناء فيه ماء ويتركنه في الخارج كي تمارس النجوم في الليل تأثيرها عليه، ثم تغسل الفتيات شعورهن بهذا الماء المنجم بهدف الزواج". وتضيف وهي تبتسم: "كنا نردد: يا نبات يا نبات.. طوّلّي شعر البنات، وقصّرلي شعر الولاد".

 

خميس الأموات

وعن الخميس الثاني من نيسان، يقول الحاج أبو محمود الدبس من عصيرة الشمالية (106 أعوام): " في خميس الأموات، كانت النساء ينهضن من ساعات الفجر ويعجنّ الدقيق، وبعد خبزه بالطابون، يُدهن بزيت الزيتون، وتوضع أرغفة الخبز، إضافة إلى الفطاير وبعض الحلويات، على صينية من القش، ويُغطى ثم يوزع على الفقراء والأطفال، في مقبرة القرية عن أرواح الموتى". وتضيف الحاجة صبحة: "في خميس الأموات، لا بد من طبخ البحتة، وهي الرز بالحليب، إذ كنا نجتمع أمام منزل إحدى النسوة في الحارة ونأكل البحتة كصدقة عن أرواح الأموات".

 

خميس البيض وقطع الحيلوان 

"لما كنا صغار، كنا ننتظر الخميس الثالث خميس البيض على أحر من الجمر". بهذه الكلمات استهلت الحاجة بسيمة أم فايز (85 عامًا) حديثها، مشيرة إلى أن النساء كن في الأسبوع الثالث يجمعن كمية مناسبة من البيض ويسلقنها صباح يوم الخميس الثالث، ويضفن إلى الماء قشر البصل، كي يصبح لون البيض أحمر مائلاً إلى البني كي يحبه الأطفال، ثم يوزع على أطفال القرية، فمنهم من يأكلونه، ومنهم من كان يستمتع بمطاقشة البيض(أي تكسيره معًا).

وبين الحاج الدبس أن أهل قرية عصيرة الشمالية كانوا يذهبون في الأسبوع الثالث إلى مدينة نابلس، ويشترون الحلاوة الموسمية وهي نوعان: الحلاوة البيضاء الصلبة المخلوطة بالفستق الحلبي وتسمى الموسمية، والثانية الحلاوة الحمراء المصنوعة من نبات القرع ومعها الزلابية، ويوزعونها على الأخوات والعمات والخالات وبناتهن، كبادرة للمودة والتراحم وصلة الأرحام.

 

خميس البقرات 

تعود الحاجة أم صالح (94 عامًا) بذاكرتها إلى الوراء كثيرا، وتقول: "في خميس البقرات والغنمات والجمال، كنا نحتفل به بصبغها باللون الأحمر، ويعلن هذا اليوم يوم عطلة الحيوانات، فلا ترسل للعمل والمراعي، ولا يباع الحليب بل يوزع على الفقراء لوجه الله تعالى، ليبارك الله بإنتاحها، ولا تحلب البقرات في الصباح، بل عند الظهر، وتصبغ جرار الحليب باللون الأحمر ابتهاجا بهذا اليوم، وفي هذا الخميس، يغسل أصحاب الغنم أغنامهم ويجزون صوفها، لاقتراب فصل الصيف، فيصبح الصوف عبئا على الحيوانات".

 

موسم النبي موسى 

يعج مقام النبي موسى بالقدس في نيسان من كل عام بالزوار من مختلف المدن الفلسطينية، احتفالاً بموسم النبي موسى. يقول الحاج أبو محمود: "عندما كنت صغيرا، كنت أذهب برفقة والدي ووالدتي والكثير من أهل القرية إلى مقام النبي موسى. وهناك كنت أشاهد الزوار وهم يعدون وجبات الطعام للزائرين، ويقرأون القرآن، ويصعدون ويهبطون على قمم المقام، وكنا نشتري من هناك حلوى النبي موسى من السكر والجوز والصبغة الملونة، التي لا نجدها إلا في هذا الموسم فقط".

 

مهرجانات وفعاليات 

يقول مسؤول قسم الفعاليات في مديرية السياحة والآثار في نابلس خالد تميم إن وزارته تسعى إلى إحياء التراث الفلسطيني الشعبي. ويضيف: "منذ خمسة أعوام انتهجنا في شهر نيسان من كل عام إحياء بعض المواسم، مثل موسم شهر الخميس. وتتخلل حفل موسم الخميس أو مهرجان الربيع فقرات فنية وغنائية وبمشاركة فرق دبكة وفقرات ترفيهية وثقافية وبمشاركة ما لا يقل عن 3000 شخص بوجود مجموعات من السياح الأجانب. وقد تم اختيار منطقة المسعودية– برقة هذا العام مقرًّا للاحتفال بموسم شهر الخميس".

وتذكر الباحثة والمؤرخة الشعبية الدكتورة فوزية شحادة "أن شهر نيسان يسمى شهر الخميس، لأن كل يوم خميس من أيام هذا الشهر يجري فيه احتفال معين، فهو موسم احتفالات وشهر يمتاز بالحيوية والعطاء وشهر الانطلاق والتجوال في الخلاء". وأشارت الدكتورة شحادة إلى أن القائد صلاح الدين الأيوبي قد أحيا موسم النبي موسى في إطار جهوده لبث اليقظة والحذر من مخططات الأعداء الذين تستروا خداعا بعباءة الصليب المقدسة ليحتلوا فلسطين من اجل أطماع مادية لا صلة لها بالدين المسيحي، دين السلام والمحبة، وقد تصدى لها الفلسطينيون، مسيحيين ومسلمين على حد سواء، وبما أن القائد صلاح الدين قد أحيا هذا الموسم الشعبي الخالد، فان أبناء شعبنا لم يتوقفوا عن طقوسهم المتوارثة منذ آلاف السنين".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018