كيف يختار الصحافي ما يكتبه؟

 

يُعد انتقاء الصحافي لما سيعالجه أمرًا ليس سهلاً، فعليه أن يسير في حقل شائك وشائق، ويبحث عن الجديد والغريب والمهم في آن. ويشترط في نصوصه أن يُحلق بعيدًا عن القضايا التي استهلكها السابقون، حتى صارت كالعلكة، بلا طعم ولا لون ولا رائحة.

تسلط "الحال" الضوء على هذا الشق، وتتعرف على الكيفية التي يلتقط بها الصحافي محاور نصوصه وتقاريره، قبل أن يقدمها للقارئ- السامع على طبق من ورق أو موجة أثير، التي لا تخلو عادة من موقف طريف وصعب.

وقبل البداية، هاكم قصة قصيرة، وقعت مع مُعد هذا النص: ذات يوم، التقت "الحال" بحلاق أمضى مع مقصه 60 سنة بحلوها ومرها. انتظر المُستأمن على رؤوس الناس أن يُشاهد الصحيفة، فلما رآها فرح، واتصل ليسأل عن المُقابل، وطلب بعظمه لسانه: أريد 20 ديناراً زرقاء، فأنا أعرف أن الصحافي يكسب النقود، ومن حقي أن أبل ريقي!

 

جوانب ضيقة

يقول الإذاعي في "راية" أدهم مناصرة: "تعتبر طريقة انتقاء القصص والتقارير والملفات الإخبارية وزاوية المعالجة لها أهم من اختيار الموضوع ذاته، فالقضية الواحدة تجدها مُتابعة من عشرات الوسائل الإعلامية في آن واحد، ولكن طريقة معالجته للزاوية الضيقة هي التي تُحتم على صاحبها اختيارها بعناية فائقة، ليتميز عن غيره ويُضيف معلومةً لجمهوره. وبما أنني إذاعي، ولكي تكون مادتي متميزة ومُثيرة، فإنه يتوجب عليّ اختيار الموضوع، ثم البحث عن زاوية العلاج المناسبة، فتحديد مصادر الخبر، والشخصيات التي تحمل معلومات تُضفي قوة على المادة الإخبارية، وليس لمجرد اختيار أي شخص".

ويضيف: "إذا أردت الإجابة عن سؤال (هل ستوقف السلطة التنسيق الأمني؟) لا يجب عليّ التوجه لأي عضو لجنة تنفيذية، كما يفعل كثيرون، ثُم يقول كلاماً إنشائياً، على غرار: (نحن مصممون على وقف التنسيق الأمني، والآن هي مرحلة جديدة وحرجة). ولتلافي ذلك أبحث عن قريب من المصادر القيادية العليا، ويحمل وجهة نظر مختلفة ويضيف جديداً، أو أتوجه إلى شخصيات عربية ودولية، ومن داخل الخط الأخضر، لها علاقة بمستويات سياسية إقليمية تكشف عن جديد، وتقول ما لا يُقال".

يقول مناصرة: "الصعوبة تكمن في أن بعض هذه الشخصيات تُفضل أن تتحدث لوكالات دولية وليست محلية، والذي يحمل جديداً قد يكون إسرائيليًا، ومن الصعوبة أن آتي به لاعتبارات عديدة. وبالرغم من أن برنامج "حوار الخميس" الذي يبث بالتعاون مع إذاعة "دي دبليو عربي" الألمانية يفرض وجود طرف إسرائيلي، فهُنا يجب علي الحذر، وألا تُمر عبر أثيري أمور خطيرة هو يريدها".

ويتابع: "من أطرف المواقف، حين أجريت مقابلة مع صاحب منصب حكومي عالٍ، حول العلاقة بين زيارة رجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال والجوانب الاقتصادية في خطة كيري، فقال لي إن هناك رابطا قويا، وهو الأمر الذي لم تقبله وترضَه المستويات السياسية العليا، فأقالوه. وبعدها بأيام قال ممازحًا: "لقد فصلتني يا أدهم من وظيفتي.."، ثم أكد أنه ما زال مقتنعاً بما قاله". 

ويفيد مراسل "الجزيرة نت" عاطف دغلس: "أهتم قبل معالجة القصة بالتركيز على أصحابها؛ لأن ذلك الذي سيحدد نجاحها أو فشلها، ومن ثم أستعين بخبير أو مراقب أو مهتم بشأن القضية. والطريف خلال إعداد مادة تعالج قضية معينة، بعد موافقة رئيس التحرير عليها، رفض هذه المادة بعد إعدادها وتسليمها كاملة مع الصور، ليتبين ﻻحقا أن الموافقة كانت لمقترح آخر أرفق مع المادة التي تم تنفيذها".

 

دموع ورقص

يقول مراسل وكالة وفضائية "معاً" في رام الله فراس طنينة: "أنتقي مواضيع تقاريري أو قصصي وفقاً لقراءاتي الصباحية للعديد من وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، وأركز في السياسية منها على آخر الأنباء والقضايا التي تكون على السطح. وأهتم بالقصص التي أحصل عليها عبر أسئلتي للمواطنين، ومن أصدقائي من التجمعات المحيطة، فضلاً عن وجود قصص عديدة أُعدها بناء على معلومات، وطلب من معارف أو من المعنيين، أو من إدارة التحرير، وأهتم بالشؤون ذات الطابع التثقيفي والتوعوي للمجتمع".

ويضيف: "رغم أن بدايتي كانت مرتكزة على الإخباري والسياسي، لكنني تحولت إلى البعد الإنساني، الذي له علاقة بقضايا المواطن وهمومه. ومن المواقف الصعبة التي تعرضت لها، ثلاث قصص في تشييع جثامين ثلاث شهداء سقطوا في رام الله، وفوجئت أنهم أصدقائي، وآخرهم كان الشهيد نديم نوارة، الذي كان والده صديقاً مقرباً لي، وهو ما أصابني بذبحة صدرية فأدخلت في ذات الليلة إلى المستشفى وأمضيت أياماً أعاني ذبحة صدرية، كادت تودي بحياتي".

ويتابع طنينة: "المواقف المفرحة قليلة جداً في عملنا، وأغلبها لها علاقة بالمهرجانات الفنية والتراثية، التي نسرق فيها بعض الوقت لنرقص ونلهو على هامش المهرجانات".

 

صراع داخلي

تقول مراسلة "أجيال" في طوباس والأغوار الشمالية رنين صوافطة: "هناك  قضايا تملي على الصحافي متابعتها. الأحداث إلى جانب الخبر يمكن أن ننطلق منها بتقارير وقصص، وأيضا من خلال علاقاتنا ومصادرنا نصل إلى ما نريد. والمراسل الصحافي ابن بيئته، وهو أدرى بطبيعة محيطه، ويستقي منه مواضيعه وما ينبغي عليه عرضه ومعالجته".

تضيف: "أعمل مراسلة في محافظة هي لب الصراع، وبعيدة عن الخارطة السياسية الفلسطينية، وهذا ما يزيد من خصوبة المادة في أفق إعلامي وسياسي ضيق. كما أن الوصول لقضايا الغور لا يقل صعوبة عن تضاريسه وطرقه الوعرة".

وتتابع صوافطة: "بالتواصل المستمر مع الأشخاص ذاتهم أحيانًا، تنشأ علاقات شخصية ومعارف، فقبل أشهر استشهد شاب من منطقة المضارب البدوية  خلال رعيه للأغنام، وهو من الأشخاص الذين أعرفهم بالمنطقة، واحتجزت كثيرًا معهم بأوقات التدريبات العسكرية، التي يجريها الاحتلال بالذخيرة الحية، وبعد تسلق 3 جبال وصلت المكان. وقتها، كنت الوحيدة بالمنطقة، وحاول الاحتلال منعي من العمل والتقاط الصور، واعتدى علي بالضرب، وتابعت المهمة. لكن من أصعب المواقف أن يعيش الصحافي صراعًا داخليًا مع الإنسان بداخله، فأن ترى شاباً تعرفه غارقا بدمه على الأرض، وتُجبر على مواصلة عملك, ستكون في موقف لا تُحسد عليه".

اختلاف وأنسنة

يقول المحرر في "وطن للأنباء" إبراهيم عنقاوي: "يكون انتقاء القصص عبر الأحداث الجارية أو القضايا الجدلية المستمرة التي تواجه المجتمع (سياسية، واجتماعية واقتصادية، وإنسانية)، وتتم معالجتها عن طريق أنسنتها وتسليط الضوء على المخفي الذي لم يتناوله الإعلام، أو غير معروفة للمواطن العادي، والبحث عن الأضرار أو الضحايا والمسببين لها، سواء كانوا أشخاصاً أو خللاً في نظام عام، بمعنى عدم عرض آراء الأشخاص أو المسؤولين بطريقة سطحية لا تغني القارئ، إضافة إلى الحفاظ على ضرورة تزويد القارئ بالأرقام والإحصاءات التي غالباً تساعده على استيعاب حجم القضية التي نتناولها وأهميتها".

ويضيف: "من أصعب المواقف التي واجهتني في إعداد تحقيق حول تبييض التجار الفلسطينيين والإسرائيليين تمور المستوطنات باسم فلسطين، إذ كان من الصعب علي دخول المصانع الإسرائيلي في مستوطنات الأغوار، وتتبع الشحنات الخارجة منها إلى السوق الفلسطينية. وبعد النشر، أخذت احتياطات، كعدم ذكر أسماء لأشخاص أو شركات وإخفاء معالمهم، منعت من تعرضي لأي ضغوط أو مشاكل بعد النشر، لكن المعنيين في وزارة الزراعة أبلغوني انزعاجهم من التحقيق، بحجة أنه يضر بسمعة المنتج الوطني".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018