الروائية الأطرش: الأدب لا يطعم خبزًا.. والرغيف قبل الكتاب

ليلى الأطرش روائية فلسطينية، تقول إن الأدب هو قدرها، ولا مفر منه. بدأت حياتها بالكتابة في عدة صحف أردنية، وواصلت العمل الإعلامي من خلال الصحف والراديو والتلفزيون، ولها مجموعات قصصية وروايات.

ترجمت روايات الأطرش وقصصها القصيرة إلى عدة لغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والكورية والألمانية والعبرية، وتُدرّس بعضها في جامعات أردنية وعربية وفرنسية وأميركية، وكُتبت عنها عددة رسائل جامعية وأبحاث.

"الحال" التقت الروائية الأطرش، وكان الحوار التالي:

 

* ماذا تقولين عن البدايات والعمل الأدبي الأول؟

- بدأت الكتابة في المرحلة الابتدائية. وكتبت روايتي الأولى وأنا في الصف الثاني ثانوي. وفي أوهام تلك المرحلة، اعتقدت أني كاتبة كبيرة، ولكن هذه الرواية لم تنشر، ونشرت لي العديد من القصص القصيرة في الصحف. عدت مرة أخرى إلى الرواية، بعد عمل كبير في الإعلام، وكتبت رواية "وتشرق غربًا"، التي تناولت الحياة الفلسطينية الاجتماعية من خلال قصة حب، بدأت عام 1948 وحتى الانتفاضة الأولى، ووجدت صدى وترحيبًا نقديًّا، لأنها تحدثت عن الانتفاضة الأولى.

وكتبت القصة القصيرة في مجموعة "يوم عادي وقصص أخرى"، ولكني أحب الرواية، ونمو الشخصيات فيها. وروايتي "ترانيم الغواية" تحكي عن القدس في نهاية الحكم العثماني ودخول الانتداب البريطاني والتحولات التي مرت بها في تلك الفترة، والحضارات التي مرت بها، والعلاقة بين الطوائف والملل، والأعراق المختلفة، وحاولت فيها نزع الهالة القدسية عن بشر المدينة، وأن أتحدث عن صراعات الناس، وصداقات النساء من الملل المختلفة.

 

* هل يصلح الأدب أن يكون "مهنة"؟

- الأدب لا يطعم خبزًا، والكاتب العربي لا يبيع كالأجنبي، وليس ذلك عزوفًا عن القراءة، ولكن إذا أعطينا الناس الكتاب رخيصًا، فسيقرأون.

 

* لماذا تنشر بعض الكتب في دول أجنبية بلغات أخرى، وهل ذلك يزيد من قيمة الكتاب ويعطي للكاتب فرصة أكبر للظهور؟

- هناك ما أسميه وهم الترجمة، فهي لا تقيم أودًا، لأنها ليست طبعات شعبية، فالقارئ الأجنبي يقرأ لأنه ينمو على عادة القراءة، ولكن الطفل العربي بالكاد يجد الخبز، وهذه الحروب التي نعيشها تراجعت فينا إلى الخلف عشرات السنين، ولا ألوم الناس، فإذا خُيرت بين الخبز والكتاب، فسأشتري الخبز بالتأكيد.

 

* رغم الإحباط، إلا أن هناك إصرارًا على مواصلة الكتابة، فلماذا؟

- أسأل نفسي عشرات المرات عن جدوى الكتابة، ولكن هذا قدري، ولا أندم، لأنني لم أجد نفسي إلا كاتبة، ووجدت منفذًا آخر للعيش في الصحافة، ولكن من لا يملك فرصة عمل أخرى، فماذا يأكل؟ وماذا يفعل إذا كان لا يملك سوى مهنة الكتابة؟ وأذكر أن الناشر طلب مبلغًا كبيرًا في بداية كتابتي، ولم يتحقق حلم النشر يومها بسبب التكلفة المرتفعة.

 

* لماذا شهد عصر غسان كنفاني اهتمامًا بالقراءة أكثر من اليوم، وهل لذلك علاقة بتراجع أهمية القلم؟

- الاهتمامات اختلفت، في ذلك الزمن، كان الجميع يقرأ، والكاتب إذا أرسل نسخه للعراق، فإنه يبيع ملايين النسخ، وكل الدول العربية تقرأ، لكن، من يقرأ الآن في ظل الظروف التي تحكم؟ الآن هناك أسماء كبيرة مثل سحر خليفة، وإبراهيم نصر الله، وأسماء أخرى لا تقل أهمية عن غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وأنا أؤمن أن هذا الشعب ولاد، ولم يقف الأدب الفلسطيني عند غسان كنفاني، بل هناك من تجاوز غسان كنفاني، ولو كان غسان كنفاني يطبع رواياته الآن، فهل سيحقق ذات النجاح؟ يجب ألا يقاس أي كاتب إلا بعصره فقط. وقد سألت نزار قباني في لقاء جمعني معه: لماذا نجت لك الأغنية الفلانية ولم تنجح الأخرى؟ فقال: لأن القصيدة لها حظ، والرواية لها حظ، والأغنية لها حظ.

 

* كيف أتتك أفكار رواياتك؟

- عندما ذهبت إلى اليمن، لعمل تلفزيوني، وجدت أن اليمن فرصة جميلة لرواية، فكتبت صهيل المسافات، واستعرت جغرافية اليمن وناقشت فيها أزمة المثقف العربي وعلاقته بالسلطة، والعشيرة والقبيلة. وحين عملت بالتلفزيون، استفدت من تجربتي في كتابة مرافئ الوهم. أما ترانيم الغواية، فقد نوقشت في أمسية، وقال فيها وليد أبو بكر: إنها ناقشت التطرف الديني الذي يعاني منه العالم العربي منذ سنوات.

وأحيانًا، يرى الأديب شيئًا أو حدثًا أو شخصًا، ويتصور رواية، ولكن هذا لا يكفي، إذ يجب على الكاتب أن يبحث بدقة، فروايتي عن القدس كتبتها في ثلاث سنوات، وقرأت أكثر من 65 مرجعًا ومذكرات شخصية عن الحياة الاجتماعية، ووثائق، وخرائط، وزرت القدس ومكثت فيها أكثر من أسبوعين، ولأكثر من مرة، لأستطيع الكتابة.

 

* ما الذي تكتبه ليلى الأطرش، ولمن تكتب؟

- الكاتب لا يكتب ما يريد الناس، ولا ما يريده هو، هو يكتب في لحظة تصادم معه، فتتحرك في داخله أسئلة. الروايات عندي تبدأ بالأسئلة. حينما كتبت عن القدس وعن النساء هناك، سألت نفسي بداية: أين النساء في هذه المدينة؟ وما هي التحولات التي مرت بها المدينة وأثرت على النساء؟ فقرأت عن الهجرة والتجنيد، وكنت كل مرة أقرأ أسأل عن النساء: أين النساء من هذا المجتمع؟

وفي رواية صهيل المسافات، فإنه لا يصعب على المرأة أن تتقمص دور الرجل، ولكن الأسئلة نفسها دارت في عقلي: هل يحزن الرجل بطريقة مختلفة؟ هل يحب وطنه بطريقة مختلفة؟ وهل يستطيع أن يتفوق أو يبدع أكثر لأنه رجل؟ والإجابة كانت: لا طبعًا. ومن هذا المنطلق، فليس صعبًا على الكاتبة الأنثى أن تنقل مشاعر الرجل، وأعتقد أنني استطعت بشهادة النقاد، لأنها عكست مشاعر الرجل الذي تهزمه السلطة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018