نعمة الكذب

لعل الفلسطيني، والغزي بشكل خاص، الأكثر عنايةً بمعرفة كواليس القرارات التي تُنسج حوله.

الاستقراء السياسي للأوضاع القائمة وملاحقة ما وراء تصريحات القيادة يُجلي الوضع حيناً، ولكنه لا يروي ظمأ المتوجع من وطنه. وإن القيادات السياسية هي التي تُخرج الوطن في صورته المكروهة. لكن الأهم هو ما تأخذه من لسان القادة، وهو ما يُقرّبك إلى حقيقة الوضع القائم وأسباب مآلاته الحقيقة.

جمعني نقاش شبابي مع القيادي في حركة حماس أحمد يوسف، وهو أحد الذين صاغوا البرنامج الانتخابي لقائمة التغيير والإصلاح. لا أستطيع التعبير عن كمّ الأسف الذي انتابني عندما تحدث عن ظروف تشكيل البرنامج، حتى إنك تلمس التخبط والعشوائية عندما تعلم أن الوقت المحدد لمباحثات فقرات البرنامج انتهى دون صياغة ولو نقطة واحدة من فقراته، ثم تم صياغته في آخر ليلة قبل صدوره على عجل!

بادرته سريعاً: وكيف لحركة أن تقود سلطة دون أن تعي جيداً ممكناتها وقدراتها لإنجاز ما تعد به؟!

كانت الإجابة من جنس التخبط الأول، إذ جزم أن كبرى الدول، حتى أوباما ذاته، يُفارق سلوكه برنامجه، فما يُكتب في البرنامج الانتخابي شيء، وما يتم تطبيقه شيء آخر تماماً، وأن البرنامج لا يتعدى كونه دعاية حزبية للفوز بالانتخابات لا أكثر!

هي حقيقة صادمة، ولكنها تُعبر عن حقيقة المشكلة التي تغرق فيها غزة، ولا أظن أن منظومة الأفكار تغيرت حتى تستطيع تلك الحركة تجاوز أزمة غزة.

وكيف للشعب أن يُحاكم الحزب الحاكم إن تنصل مما وعد به في الانتخابات؟ وكيف لغزة أن تَعبُر الحياة، ومن يحكمها يفتقد لأدوات التخطيط أصلاً؟ وإذا كان فشل حزب ما في صوغ البرنامج بداية، فما هو حجم الفشل في تحقيقه؟ وإذا كان الفكر السياسي لا يعتبر البرنامج ذا أهمية، فما قوة هذا الفكر في الفعل السياسي؟!

قد نقفز عن الأسئلة مباشرة، كما قفزت حماس بالمقولة "السياسة لا أخلاق فيها"، ولكن لماذا تدّعي مثالية أخلاقها؟ وإذا كانت السياسة العالمية لا أخلاق لها، فماذا عن سياسة الإسلاميين؟ وإذا قبلتم بالمبدأ اللاأخلاقي للسياسة العالمية، فلماذا لا تقبلون بباقي مبادئها؟

تذكرت قول نزار قباني:

"وعدتك ألا أحبك، ثم أمام القرار الكبير، جبنت

وعدتك ألا أعود، وعدت".

وكأن الحركة الإسلامية قالت بعد الوصول إلى السلطة:

"لقد كنت أكذب، والحمد لله أني كذبت"!

لأنها لو صدقت أنه لا برنامج انتخابيًّا لها، لما نجحت في الانتخابات، لأنها لو صدقت أن غاية البرنامج هي الوصول بالحركة إلى السلطة وليس الوصول بغزة إلى ما وعدت به غزة، لما وصلتْ!

الحمد لله على نعمة الكذب، وكفى بها من نعمة توصل إلى السلطة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018