مختبرات بيرزيت التخصصية: بزر "القرع" بالشيد الأبيض خطير ومسرطن على المدى البعيد

كثيرًا ما يلفت انتباهنا عند زيارة أي محمص في الأراضي الفلسطينية، حجم ولون البزر الأبيض (بزر القرع)، فنجده أكبر حجمًا وأكثر بياضًا من بزر القرع الخام. وسبب هذا البياض والحجم الكبير إضافة طبقة بيضاء يدخل في تكوينها الشيد ومواد أخرى، والشيد من المواد الكيماوية الخطرة، وقد يسبب على المدى البعيد التهابات وانسدادًا في الأمعاء الدقيقة وأمراض الكبد والكلى.

صحيفة "الحياة الجديدة" كانت أجرت تحقيقًا حول هذه الطبقة، بعنوان "إضافة الشيد لـ "البزر الأبيض".. تلاعب علني بالأوزان.. والأثر الصحي غير مثبت علميًّا". أما "الحال"، فبحثت الأثر الصحي لهذه الطبقة الإضافية على "بزر القرع" عبر فحص عينات منه في مختبر جامعة بيرزيت، وتوصلت إلى نتائج صادمة.

 

المحامص تنفي الاتهامات

خلال زيارة "الحال" لأحد المحامص في رام الله والسؤال عن "الشيد"، أجاب العامل (س.ع): "حبة البزر تكون خفيفة وذات لون أصفر قبل إضافة مادتي "النشا والملح" إليها أثناء عملية التحميص". في تلك اللحظة، قاطعه زميل له وقال: "نضيف مادة الشيد وليس النشا أثناء عملية التحميص". هنا، أوقفه (س.ع) عن الكلام بسبب وجود مسجل بين أيدينا، وطلب منا إمهالهما بعض الوقت للتشاور والاتفاق على إجابة لإعطائنا إياها.

لم ننتظر أن يتحدثا جانبيا، وطلبنا من العامل إكمال حديثه دون الاكتراث لنظرات زميله ومحاولاته المتكررة لمنعه من الكلام. وعند سؤالنا له عن كمية الشيد التي يتم وضعها، سألَنا العامل: "هل ستذكرون اسم المحمص في الجريدة؟"، فقلنا إننا لن نذكره إذا أراد ذلك. فأجاب: "البزر الأبيض هو النوع الوحيد الذي يأتينا جاهزا من مدينة الخليل ونحن لا نقوم بتحميصه".

أثار ارتباك العمال حفيظة مدير فرع المحمص، فاستفسر عن موضوع تحقيقنا، ولأي جهة نتبع، موضحًا أنه لن يفيدنا بشيء، وطلب منا الذهاب الى المحمص الذي يحضرون منه (البزر الأبيض) في رام الله، معارضًا ما قاله العامل عن مصدر البزر.

العامل قاطع المدير وقال إن هذا النوع من البزر يتم إحضاره من الخليل. ففقال المدير إنه ليست لديه معلومات كافية يفيدنا بها. لكن، أجمع العاملون ومدير الفرع على أن محمصهم لا يضيف الشيد إلى البزر لأنه مضر بالصحة ويسبب مشاكل.

 

المختبر: نسبة الشيد في بزر القرع 1.66% 

اشترت "الحال" عينتين من محمصين في محافظة رام الله والبيرة، وأخذتهما لمختبرات جامعة بيرزيت، وهي مختبرات مستقلة في عملها وتمويلها ومعترف بها من قبل مؤسسة المواصفات والمقاييس. وظهر في نتيجة العينة الأولى أن هناك استخدامًا واضحًا لمادة الشيد، وبكميات كبيرة وصلت إلى 1.66%، وهذه النتيجة صدمت فني المختبر. بينما أظهرت تحاليل العينة الثانية نسبة 0.112% من مادة الشيد.

جاءت هاتان النتيجتان تأكيدًا على استخدام أصحاب المحامص مادة الشيد المسرطنة على المدى البعيد في البزر الأبيض، وإن اختلفت الكمية.

 

د. صلاح: الشيد خطير ويبيض الأمعاء

توجهت "الحال" إلى الدكتور أسامة صلاح، أمين عام المجلس الطبي الفلسطيني سابقا، والمختص بالتغذية العلاجية والصحة العامة، فقال: "الشيد مضر جدا بالصحة. المكسرات بشكل عام لها فوائد كبيرة، لكن عند إضافة مواد كهذه عليها، فإنها تفقد قيمتها وتصبح ضارة، وإن كانت تعطيها شكلا أجمل أو وزنا أكبر، ومن ناحية طبية، فهي ضارة".

وأضاف د. صلاح أن "الشيد كمادة كيميائية بيضاء تتكون من مركبات الكالسيوم التي تبيض بزر القرع، وفي ذات الوقت، فلها القدرة أيضا على تبييض الأمعاء، ويظهر ذلك لدى الأفراد الذين يتناولون هذا النوع من البزر أكثر من غيرهم، إضافة إلى تأثيره الكبير على الأطفال الذين يتناولون الحبة كاملة دون تقشير".

وتحدث صلاح عن قلة وعي المستهلك وثقافته الغذائية والصحية ومسؤوليته تجاه صحته، بالاضافة إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية، سواء وزارة الصحة وما عليها من مسؤوليات الرقابة، ووزارة الاقتصاد وما تحمله من مسؤوليات الاستيراد والتصدير ووزارة التعليم ومهمتها في التوعية والتثقيف.

وأشار د. صلاح إلى زيادة انتشار الأمراض السرطانية والأمراض المزمنة التي يعد مصدرها الأساسي الأسمدة والمواد الكيميائية والصناعية التي يتم وضعها في الأغذية.

وتشير الإحصاءات إلى أن مجمل استهلاك المكسرات في الضفة والقطاع يزيد على 12 ألف طن سنويا حسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني.

 

الشيد يسبب أمراض الكلى

ويقول الدكتور سعيد مصطفى، المتخصص في جراحة المناظير وزراعة الكلى، إن الشيد قد يؤدي بنسبة عالية إلى إصابة الناس بأمراض الحصى في الكلى، وهو مرض منتشر بكثرة في مدينة الخليل، بسبب استخدام الأهالي هناك لهذه المادة في صناعة "الدبس"، مؤكدا أن الشيد له مضار، ووجوده في البزر الأبيض يؤدي إلى مشاكل أكيدة في المستقبل.

 

تلاعب علني بالأوزان

ويرى كثير من المستهلكين أن إضافة مادة الشيد إلى البزر هي لأغراض ربحية عبر زيادة وزن الكميات عن طريق تذويب الشيد في كوب ماء يتم خلطه بالبزر العادي أثناء عملية التحميص لزيادة الوزن.

وفي الجولات الميدانية لـ "الحال" على المحامص، التقت (م. ش) وهو نجل أحد أصحاب المحامص، ويعمل في محمص والده، واعترف بأنه تتم إضافة مادة الشيد إلى البزر بنسبة معينة تتناسب مع كمية البزر، لأن هذا النوع من البزر وزنه خفيف، فتتم إضافة الشيد لإعطائه الوزن، وليظهر بلون أبيض ناصع، مؤكدا أن هذا النوع من البزر أكثر أنواع المكسرات التي يضاف إليها الشيد.

"الحال" التقت أيضًا التاجر هيثم كراجة الذي افتتح مؤخرا محمصًا، فقال إنه لم تكن لديه معلومات كافية عن طريقة تحضير البزر الأبيض الذي اعتاد عليه الناس، فكان يضع الماء والملح على البزر، ومن ثم يحمصه ويسوقه، لكنه لم يجد أي إقبال على البضاعة لأنها ليست بالشكل الذي اعتاد عليه الناس في المحامص الأخرى، فكان لونه أصفر وحبته صغيرة.

 

وزارة الصحة: هناك تجار يتلاعبون في القرارات

وعلق نادر برهوش رئيس قسم الحرف والصناعات في وزارة الصحة على موضوع إضافة الشيد إلى البزر الابيض بالقول إن استخدام مادة الشيد ممنوع ليس فقط في المكسرات، إنما في جميع المواد الغذائية، مؤكدًا أن وزارة الصحة تقوم بدورها في عملية الرقابة على جميع المصانع خصوصًا الغذائية منها، التي تعتبر المصانع من ضمنها. وأشار إلى أن مصطلح رقابة لا يحدد نوعًا أو صنفًا معينًا من الأغذية إلا في حالة حدوث مشكلة، فيقوم مسؤولو الصحة بجولة على المصانع المدرجة أسماؤها لديهم، فتتم عملية الرقابة أولا على إنشاء المصنع وعلى الشروط الصحية داخل المصنع قبل بدء الإنتاج للتأكد من توافر الشروط الصحية للعمل.

وحسب برهوش، فإن هناك نوعين من الشيد: نوعًا يستخدم في البناء، والنوع الآخر مسموح استخدامه في الغذاء بكميات ونسب معينة، فهي تضاف للبزر الأبيض بهدف التبييض وزيادة الوزن، وهذا يرجع الى النواحي التسويقية التي يقوم بها التجار. وأشار إلى أنه ليس هناك إثبات حالات حتى الآن ما إذا كانت هناك إضافة للشيد أم لا، لأنه لم يتم أخذ عينة لفحصها حتى الآن بسبب عدم وجود مراكز مختصة لذلك. وأضاف أنهم غير قادرين على فحص جميع المصانع، لأن المختبر لديهم في بدايته على حد تعبيره، ولا يستطيع إجراء الفحوص اللازمة على المواد الغذائية.

وأوضح برهوش أنه في حال إثبات استخدام هذه المادة في أحد المحامص، فسوف تكون هناك عقوبة، إضافة إلى إغلاق المحمص وعرضه على القضاء إذا كان الفحص من مختبر مرخص، مطالبًا إيانا بتزويد الوزارة بنتائج التحليل كي تقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة.

 

مواصفات ومقاييس البزر الأبيض

وحول المعايير والإضافات التي توضع على المكسرات بشكل عام وبزر القرع خاصة، قال مدير مؤسسة المواصفات حيدر حجة إن هناك وصفة لكل أنواع البزر والمكسرات، وهناك أكثر من 7 صفحات لهذه الوصفة التي تحدد بناء على عمر البزر وبأي فصل تم قطفه ولونه وحجمه ورائحته ووزنه، وتتحدث جميعها عما إذا كانت هناك أي مواد كيماوية أو أي شيء تمت إضافته للبذور، وحسب هذه القوانين والمواصفات، تسمح إضافة مواد للبزر لكن يشترط أن تكون صحية ومصرحًا باستخدامها في الأغذية، إضافة إلى اشتراط تأكد خلوها من الشوائب. ويتم إجراء الفحص عليها (التحليل الميكروبي) للتأكد من خلوها من الميكروبات وأي نوع من التلوث.

وأشار حجة إلى أن مهام متابعة المحامص والمحلات ومراقبتها موكلة لوزارة الصحة لأن المكسرات مادة غذائية والرقابة عليها تعود لوزارة الصحة.  

وأكد حجة أنه في حال وجود مادة مثل الشيد وتستخدم في تحميص المكسرات، فإن ذلك مخالف للقوانين.

 

"حماية المستهلك": قضية خلافية

من جهته، قال رئيس جمعية حماية المستهلك صلاح هنية، إن قضية الشيد في "بزر القرع"، أثيرت إعلاميًّا منذ عام، واختلفت وجهات النظر حول مدى الخطورة التي يشكلها على جسم الانسان، مضيفًا أنه تم اجراء فحوصات في مختبرات الجامعات، كما أكدت وزارة الاقتصاد الوطني أنها تسبب أضرارا صحية في حال تراكمها في جسم المستهلك، وأشار هنية إلى أن غالبية المحامص لا تستخدمها، مقللاً من مخاطر القضية.

وأوضح هنية أن بعض المحامص الصغيرة تستخدمها من أجل زيادة الوزن وزيادة صلابة البزر وزيادة جاذبيته للمستهلك من أجل تسويقه.

وقالت أمين سر جمعية المستهلك التي تابعت القضية رانية خيري، إن الجمعية تابعت القضية مع جمعية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني قبل عام بعد تلقيهم شكوى حول القضية، مضيفة أن المادة تسبب أمراض الكلى والكبد إذا تناولها أحد بشكل مستمر، لعدم قدرة الجسم على التخلص منها.

وأكدت أنه لم يتم اتخاذ أي اجراء قانوني بحق المحامص التي تستخدم هذه المادة من قبل الجهات المختصة في وزارة الصحة أو وزارة الاقتصاد الوطني، وأشارت الى أن حماية المستهلك يقتصر دورها على الرقابة وحث الجهات المسؤولة على متابعة القضايا التي تشكل خطرا على حياة المستهلك، وتوعية المواطنين بهذه المخاطر.

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018