محللون: انهيار السلطة مستبعد

كثر الحديث مؤخرًا عن توقعات بانهيار السلطة، بعد حجز حكومة الاحتلال عائدات أموال الضرائب الفلسطينية للشهر الثالث. فقد أطلقت وزارة الخارجية الأميركية تحذيرًا، وأعربت عن قلقها من احتمال انهيار السلطة، وتقدم الجيش الإسرائيلي بتقدير للموقف مصحوب بتنبيه لحكومته من خطورة عواقب استمرار حجز أموال الضرائب.

وعلى الرغم من أن حكومة الاحتلال تهدد علنًا بمزيد من العقوبات التي قد تؤدي لانهيار السلطة، ردًّا على توجه الفلسطينيين لمحكمة الجنايات الدولية، فإن إسرائيل تجتهد لإخفاء حقيقة مخاوفها من انهيار السلطة، رغم أن بقاء السلطة ما زال مصلحة إسرائيلية عليا، وفقًا لمراقبين.

أمام هذه التخوفات التي رافقتها تصريحات لمسؤولين فلسطينيين حول انهيار السلطة، قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واصل أبو يوسف إن "الحرب المفتوحة التي تقوم بها حكومة الاحتلال ضد الفلسطينيين مجرد محاولات ضغط اقتصادي على السلطة والمنظمة من خلال حجز أموال الضرائب"، مؤكدًا "عدم واقعية انهيار السلطة، لأنها ثمرة كفاح وتضحيات الشعب الفلسطيني وأحد أذرع منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها السلطة جاءت لتحرير الشعب الفلسطيني، ولتحقيق العودة وتقرير المصير، وصولاً لدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس".

وأضاف أبو يوسف في حديث مع "الحال" أن الاحتلال لا يلتزم بالاتفاقيات المبرمة معه، ويأخذ منها ما يستفيد منه، كاتفاق باريس الاقتصادي الذي تجني إسرائيل بموجبه الضرائب الفلسطينية مقابل 3%، إلا أنها تستغل ذلك بين فترة وأخرى للضغط على السلطة والشعب الفلسطيني.

 

سجال سياسي

بدوره، استبعد عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير نبيل عمرو انهيار السلطة على المدى القريب، مؤكداً أن ما يجري "سجال سياسي حول السلطة وليس مقدمات لحلها، والولايات المتحدة تحاول التعاطي مع هذا التهديد بصورة جدية لتخفيف حدة الضغط الإسرائيلي".

وأكد عمرو أن إسرائيل ربما ستطرح بعد الانتخابات المقررة في السابع عشر من آذار الجاري شروطًا لوقف تجميد تحويل عائدات الضرائب، وأن خطوات نتنياهو جاءت ردًّا على خطوات سياسية من جانب منظمة التحرير بالذهاب لمجلس الأمن ومحكمة الجنايات، وليستفيد انتخابيًّا.

الكاتب في جريدة الأيام أكرم عطا الله وصف المرحلة الحالية بأنها "معركة عض الأصابع"، فإسرائيل تريد من الفلسطينيين عدم تقديم شكاوى للمحكمة الجنائية الدولية التي ستصبح فلسطين عضوًا فيها في الأول من نيسان المقبل، وتمارس الترهيب كنوع من الابتزاز، لا بهدف انهيار السلطة.

وقال عطا الله إن القلق الأميركي مبررٌ، "لكن لا أتوقع انهيار السلطة، لأن الفلسطينيين طرف في تأسيسها إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وبالنهاية ستتدخل الأطراف الدولية لإيجاد حل لاستمرارها".

 

الانهيار مكلف

وأكد عطا الله لـ "الحال" أن إسرائيل لا تستطيع تحمل كلفة انهيار السلطة، كون ذلك يعني العودة للاحتلال المباشر الذي يتضمن تكاليف ليست في وارد إسرائيل، وأهمها سياسية، كونها تغطي نفسها بالمفاوضات مع الفلسطينيين وتحاول أن تلقي الكرة في الملعب الفلسطيني، ولكن عندما تعود كدولة احتلال، فإن الأمر سيكون مختلفاً.

وأوضح أن انهيار السلطة سيكلف إسرائيل اقتصاديًّا، بالإضافة للبعد الأمني الذي سيُدخل إسرائيل في اشتباك مباشر مع الفلسطينيين، ما سيجعل من استمرار إسرائيل بخطواتها للدفع بانهيار السلطة أمرًا مستحيلاً. 

من جهته، رأى الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم أن مجرد تعبير الإدارة الأميركية عن القلق يعطي إشارة للدول المانحة الأوروبية والعربية بأن تبادر بتقديم مساعدات لإنقاذ السلطة، مؤكداً أنه "لا أحد معني بانهيار السلطة الآن".

وأضاف: "رغم الشلل في خدمات السلطة ووظائفها الأساسية، ولكن الانهيار مستبعد"، معللاً ذلك بأن دولاً عربية وأوربية تبادر بدفع مبالغ مالية لتمكن السلطة من دفع الرواتب، كالسعودية والاتحاد الأوروبي".

وأوضح أن إسرائيل إذا استطاعت الإفلات من الضغط الدولي، فإنها لن تحول عائدات الضرائب لدافع أخلاقي أو إنساني، وإنما تحولها فقط في حال ترتب كلفة سياسية أو اقتصادية ستدفعها مقابل ذلك.

وأكد عبد الكريم لـ "الحال" أن نتنياهو لن يفوت الفرصة في كسب اليمين المتطرف بمعاقبة الفلسطينيين، مردفاً "لكن لن يستمر ذلك ليوصلها لحافة الانهيار، لأنه يدرك أن البدائل الأخرى بعد الانهيار لن تكون مريحة".

 

الجهاز المصرفي أمام تحدٍّ صعب

وأشار عبد الكريم إلى أن الجهاز المصرفي أحد المتضررين من أزمة السيولة الناجمة عن القرصنة الإسرائيلية باعتباره مانحًا مهمًّا للسلطة، وأن مجموع القروض المصرفية التي منحت للسلطة حوالي مليار و300 مليون دولار، بالإضافة لما يقارب 700 مليون دولار قروضًا للموظفين العاملين بالسلطة. 

وتابع: "40- 45% من القروض المصرفية ممنوحة للسلطة ومن يعمل فيها، وإذا استمر احتجاز الضرائب، فستكون البنوك أمام تحدٍّ صعب ولكن لا يصل للانهيار؛ كون الجهاز المصرفي تمرس عبر التجربة".

وأوضح أن الأزمة الحالية "أزمة سيولة مؤقتة عربية وبفعل إجراء إسرائيلي تعسفي، وليست أزمة تعثر نتيجة إفلاس، وستحل، كون المستحقات الضريبية ستحول، لأنه ليس من مصلحة أحد حل السلطة".

وقال عبد الكريم إن "السلطة في ضائقة مالية لأنها في أزمة بنوية أصلا، إذ تعتمد في موازنتها على مساعدات بقيمة مليار و200 مليون دولار، بالإضافة لعجز مقداره 100 مليون دولار في الشهر أصلاً وكان يُغطى من المساعدات، ولكن لسوء حظ السلطة، فإن المساعدات لم تأت في الأشهر الثلاثة الأولى بقدر كاف؛ لانشغال الدول المانحة بوضع موازناتها، وترافق هذا مع إجراءات إسرائيلية تعسفية".

ثلاثمئة مليون دولار قيمة النفقات الجارية التي تحتاجها الحكومة شهرياً، يتوفر في خزينتها منها بين 60- 70 مليون دولار من الجباية المحلية، ما جعلها أمام معضلة كبيرة، وفق عبد الكريم.

 

خيارات 

وأكد أبو يوسف أهمية وضع آليات لها علاقة بكيفية استمرار الكفاح الوطني الفلسطيني في إطار استراتيجية تعتمد على مواصلة الجهد مع المجتمع الدولي لمواجهة الاحتلال أو عبر محكمة الجنائيات الدولية أو بإجراءات تعزز شروط الشعب الفلسطيني وتنهي العلاقة مع الاحتلال.

في المقابل رأى عطا الله أن إقدام السلطة على وقف التنسيق الأمني، كأحد الخيارات التي تلوح بها السلطة، يعني حل السلطة؛ لعدم قبول إسرائيل به، مبيناً أنه في حال تلقت السلطة عروضاً كوقف الاستيطان ومفاوضات بسقف زمني، فإنها يمكن أن تتنازل عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية.

بينما قال عمرو: "لا أحد يعرف ما الذي سيحدث إذا استمر الوضع الراهن، لأن حركة الشعوب وبصورة جماعية دائما تكون غير مقروءة سلفًا، والانتفاضة لا تتم بضغطة زر"، مردفاً "لكن الوضع سيكون خطيرًا للغاية إذا استمرت إسرائيل بسياستها".

وأكد أن المشكلة ليست بالأموال فقط، فثمة إمكانية لإيجاد بدائل عبر تقديم الاتحاد الأوروبي سُلفًا على أمل تحصيلها من إسرائيل، لكن السلطة بحاجة لفتح أفق سياسي بعد الانتخابات الإسرائيلية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018