متى سينتهي زمن "النسخ واللصق"؟

تفعل ضغطتان بسيطتان على لوحة مفاتيح حواسيبنا الأفاعيل، فيشوه أمر "النسخ" وجاره "اللصق" وجه إعلامنا، وبخاصة المطبوع والإلكتروني منه، فتبدو القصص الصحافية والتقارير والأخبار العاجلة والبطيئة مكررة، ولا تفتح شهية القراء. والمذهل أن بعض "النُسّاخ" و"اللُصّاق" لا يُطالعون ما يختارون، فيكررون الأخطاء اللغوية والتحريرية ذاتها، ويحافظون بأمانة على علامات الترقيم كما هي، ولا يُبالون بالنحو أو الصرف، ويغفلون عن التاريخ غير الصحيح، وغيرها.

تتبع "الحال" هذا الشأن الذي يوشك أن يصيب "صاحبة الجلالة" في مقتل، وتسأل وترصد تعليقات وآراء لإعلاميين في بلاطها.

 

بطاقة صفراء

تقول الصحافية ميساء بشارات: "عانيت استخدام النسخ واللصق تجاه نصوصي، فأحد الزملاء كان يستعمل هذه التقنية ليعيد ترتيب فقرات ما أنشر، ثم ينسبها لنفسه. وقد تواصلت معه، ووعد بعدم تكرار فعلته، ونصحته ألا يسرق جهد غيره، وأن يطلب طريقة للوصول إلى أصحاب القصص التي أكتبها". 

وتقترح بشارات أن يبدأ علاج هذه الظاهرة بخطوات صغيرة، تبدأ بالاتصال بالسارق، وتُوجه له "بطاقة صفراء"، وإذا ما عاد وكرر فعلته، نلجأ إلى كشف اسمه وتفاصيل فعلته، ثم نشتكي عليه لنقابة الصحافيين ولمؤسسته الإعلامية.

 

إبداع غائب

ويرى منذر زهران المراسل الرياضي لصحيفة الحياة الجديدة أن ظاهرة النسخ واللصق مؤرقة في صحافتنا لأنها قاتلة للإبداع، ولروح الصحافة. وهي لا تضيف ولا تفيد بشيء، خصوصا مع سوء استخدامها، وفيها ضرب للقيم الأخلاقية والصحافية، ومن الواجب تفعيل المحاكمات الأدبية لكل من تسول له نفسه هذه السرقة.

ويضيف: "شاهدت خلال تجربتي العديد من هذه الحالات، وقبل فترة اكتشفت أن أحد محرري الصحف سرق مادة من موقع ثانٍ، ووضع اسمه عليها، في إغفال لقدرة القارئ على كشفه، وللأسف مرت هذه الفعلة دون محاسبة من قبل الجهات المسؤولة على جريمته".

ويعتقد محمد قبلان، الذي عمل في الصحافة قبل انتشار النسخ واللصق، ثم غادرها، أن عدم نسب المادة لصاحبها مسألة مؤذية جدا للصحافي، كحال سرقة الأبحاث العلمية، وتترك أثرا سيئًا نفسيًّا ومعنويًّا.

يقول: "لا يضير من يقص ويلصق أن ينسب الأمور لأصحابها، ولا يقلل هذا من أهمية نقل الخبر. واقترح أن يتم اعتماد نظام PDF للحد من الظاهرة، وإطلاق صفحة تحارب السرقات بإعادة نشرها مع النص الأصلي".

 

إعلام متشابه

يقول الصحافي المختص في الإعلام الاجتماعي محمود حريبات، إن هذه الظاهرة مرتبطة بغياب مؤسسات إعلامية تحترم المحتوى، وتبتعد عن مرضي "اللايك" و "الشير"، عبر تفعيل دور نقابة الصحافيين في المحافظة على حقوق الطبع والنشر والحقوق العامة للإعلاميين.

يتابع: "الأمر يحتاج إلى قوة ردع، كحال التجربة اللبنانية، التي ترفع الغطاء عن الصحافيين الذين لا يحترمون أنفسهم، وتنشر تفاصيل نسخهم ولصقهم، لكن هذا صعب الحدوث عندنا".

ووفق حربيات، فإنك إن قرأت صحيفة واحدة، فلن تحتاج لقراءة البقية، لأن معظم الجرائد تنسخ وتلصق، وتبُقي المحتوى فارغًا. كما أن الإشكالية تبدو أكبر في الإعلام الإلكتروني، فمعظم محتواه "مسروق" من المواقع الأخرى أو من شبكات الجيران.

ويضيف: "نحتاج إلى البحث عن محتوى متنوع في كل جوانب حياتنا، وهي قصص وموضوعات غزيرة، ويتحتم علينا الابتعاد عن "الكوبي" و"البيست"، ووقتها سنحظى بجمهور عريض".

 

التشهير هو الحل

يقول نائب رئيس تحرير "الحياة الجديدة" بشار برماوي: "عند قراءة المواقع الإلكترونية، ترى العجب العجاب، لدرجة غياب السبق الصحافي. والغريب أن بعض المواقع الإلكترونية، نسخت تحقيقات صحيفتنا، ولم تشر إلى مصدرها".

ويؤيد برماوي التشهير بالسارقين، الذين لا ينحصرون في مستخدمي "النسخ" و"اللصق"، بل هناك سارقو الأفكار أيضا، حين تنشر.

ويقول: "نفكر في حماية ما نعرضه من مضمون في موقعنا الإلكتروني الجديد، بحيث يكون غير قابل للنسخ واللصق الإلكتروني". 

ويؤيد برماوي التشهير بالسارقين، لأن السكوت عليهم زاد من حجم أفعالهم. والغريب أن النسخ واللصق يكون في تكرار الأخطاء ذاتها، وهذا دليل على أنهم لا يطالعون ما يسرقون.

 

نسخ الصور أيضًا!

ويرى المصور في وكالة "وفا" بلال بانا أن الخلل في القوانين، التي لا تعاقب من ينسخ ويلصق، زاد من عدد هؤلاء، الذين يسرق بعضهم النص والعنوان والصورة أيضا.

ويقول: "الحل سهل، وهو فضح من يقدم على فعل من هذا القبيل، مهما علا اسمه أو منصبه أو وسيلته".

وترى الصحافية عزيزة ظاهر، أنه رغم تجريم سرقة المواد الصحافية بالنسخ واللصق وغيرها، في القوانين ومواثيق الشرف الصحافي في دول العالم، إلا أن ذلك لم يحد من هذه الجرائم. وفي فلسطين، يعاني الصحافيون كثيرًا من هذه الظاهرة المسيئة إلى المهنة، التي تعتبر الأمانة الأخلاقية أهم شروطها.

وتضيف: "تقع على عاتق النقابة مسؤولية الحفاظ على الحقوق الفكرية للصحافيين، والحماية من أية قرصنة صحافية تطال أعمالهم بالنسخ واللصق، ووضع حد للذين يشوهون شرف المهنة، ومحاسبتهم، لأن القرصنة الصحافية شكل من أشكال الفساد، الذي ينخر في الجسم الصحافي.

وتتابع ظاهر: "على النقابة تنظم القوانين واللوائح الخاصة بالصحافة، التي من شأنها محاسبة من ينسخ ويلصق ويسرق، وعليها إقامة دورات وحلقات نقاش عن القرصنة الصحافية، وكيفية معالجتها، وسبل الحد منها".

 

رأي النقابة

ويعقب نائب نقيب الصحافيين ناصر أبو بكر على ظاهرة النسخ واللصق بالقول إنها خطيرة على من ينفذها، وهي سرقه للجهد والفكر والمهنية، وتدلل على انعدام مهنية من يفعلها؛ لأن من ﻻ يكتب ولا يستعمل مهاراته المهنية لن يكون صحافياً، ويعتدي على حقوق الملكية الفكرية لغيره.

وقال: "وردت النقابة شكاوى عديدة بهذا الخصوص، واكتشفنا خلال حلها حاجتنا إلى قانون يمنع ويعاقب من يسرق ويزور وينسخ، ونرى وجوب أن تكون حقوق الملكية الفكرية موجودة في قانون".

ويتابع أبو بكر: "لدينا لجنة لأخلاقيات المهنة، تُعد أنظمة أخلاقيات الإعلام. وأرى أن أي صحافي يريد الانضمام إلى النقابة عليه اﻻلتزام بأخلاقيات مهنته. ونبحث منح شهادة مزاولة المهنة للصحافيين، وهذا كله يمكن أن يحد منها".

وحسب أبو بكر، فإن النقابة تعاملت مع عدة قضايا من صحافيين ضد صحافيين، وتمت معالجتها في لجنة أخلاقيات المهنة، وثبت وجود عمليات نسخ ولصق لتقارير وأخبار، لكنها، وإن كانت محدودة، فهي ظاهره موجودة. 

ويختم حديثه: "قد يكون الانتشار الهائل للإعلام الإلكتروني والاجتماعي دون ضوابط السبب الرئيس للنسخ واللصق، وهذا يحتاج إلى قانون للإعلام الإلكتروني، وشروط للترخيص من قبل وزارة الإعلام، لوقفه".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018