لا جديد على قانون العقوبات سوى تزايد المطالبين برميه في سلة الماضي

أجمع قانونيون ومختصون على أن قانون العقوبات الفلسطيني الساري حالياً في الاراضي الفلسطينية قديم وبالٍ، ويحتاج لإدخال تعديلات عليه بموجب قرار، لكي يتلاءم مع الوضع والمتغيرات المجتمعية ولردع الجريمة، ويجب أن تكون هناك تعديلات تناسب وتلائم الوضع الحالي والراهن لكي يتم ردع الجريمة، على اعتبار أن هذا القانون هو الذي يهذب النفس ويصلحها.

قانون العقوبات المطبق في الاراضي الفلسطينية، وهو قانون أردني وضع عام 1960، ولم تجر أي تعديلات تذكر عليه، الأمر الذي جعله قانون ردع باليا لا يتناسب مع مجريات وقتنا الحالي، اي بعد حوالي خمسة وخمسين عاما، في ظل التطور الكبير في مختلف نواحي الحياة.  

 

بكيرات: إصلاح الضرر أهم من ألم الجاني

يقول د. فايز بكيرات أستاذ القانون في جامعة بيرزيت إن قانون العقوبات يعتبر من أخطر القوانين كونه مرآة المجتمع، وكون الاصل في الامور الاباحة، إلا ما تم تجريمه بموجب نص وارد في قانون العقوبات، اي انه يحدد إطار سلوكيات مجتمع بأكمله، ولكن يختلف الغرض من العقوبة مع اختلاف الوقت.

وأضاف بكيرات: "في السابق كان الهدف من تنفيذ العقوبة هو إيقاع الألم في نفس الجاني بشكل اكبر من محاولة إصلاح الضرر، لذلك تميزت العقوبات القديمة بالقسوة. والعالم الان يتجه نحو تخفيف العقوبات، مشيراً إلى أن قانون العقوبات المطبق في الاراضي الفلسطينية يختلف في الضفة عنه في قطاع غزة، مؤكدا على أن كلا القانونين أصبح باليًا ولا يتلاءم مع وقتنا الحالي، خصوصا في ظل وجود انماط اجرامية جديدة مثل الجرائم الالكترونية. ودعا الى إعادة مراجعة قانون العقوبات، لتشمل جرائم العصر الحديثة ومن أجل إعادة دراسة العقوبة حتى تتناسب مع مفهوم الاصلاح.

واشار بكيرات إلى أن القانون الاردني عدل عدة مرات في الاردن، ولم يتم تعديله في الاراضي الفلسطينية لعدة أسباب منذ النكسة عام 1967، وعدم وجود أي حراك تشريعي فلسطيني، الى أن دخلت السلطة إلى الأراضي الفلسطينية عام 1992، وتم العمل على اعداد مشروع قانون عقوبات فلسطيني لكنه لم يصدر ولم ينفذ بسبب حالة الانقسام السياسي وتعطيل عمل المجلس التشريعي، لخطورة هذا القانون وضرورة وجود توافق سياسي اقتصادي واجتماعي بين جميع فئات الشعب الفلسطيني على تطبيقه.

 

رحال: شهية المشرع الفلسطيني مسدودة

من جانبه قال مدير مركز حقوق الانسان والمشاركة الديمقراطية شمس رحال إن هناك العديد من التطورات التي حصلت في فلسطين منذ خمسة وخمسين عاما، لذلك لا بد ان يعاد النظر في القانون وتعديله بحيث يستجيب لحاجات وتطلعات المجتمع الفلسطيني، مشيرا إلى أن بعض القوى المحافظة الدينية والعشائرية والاحزاب والعائلات ليست معنية بإجراء تعديلات قد تؤدي الى خلخلة مصالحها، وتريد ابقاء الوضع على ما هو عليه.

واكد رحال عدم وجود رغبة لدى المشرع الفلسطيني في الدخول في إشكاليات مثيرة للجدل، وعدم جديته ايضاً في ايجاد قانون عقوبات يتواءم مع العصر والديمقراطية والاتفاقات العالمية، خصوصا اتفاقيات حقوق الانسان وحقوق المرأة، مثل العذر المخفف الذي وضع في ستينيات القرن الماضي، وأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبعد العشائري العائلي في ذلك الوقت، اما الآن فهذا يعتبر مخالفا للشرع والمنطق والواقع والعدالة، لان الحق في الحياة هو هبة من الله، ولا يجوز لاي انسان ان يسلب هذا الحق من أي انسان.

 

عاروري: الجريمة كبيرة والغرامة خفيفة 

وقال ماجد عاروري الخبير الإعلامي المتخصص في الشأن القضائي إن قانون العقوبات الفلسطيني يعاني اشكاليات كبيرة ومتعددة، خصوصا فيما يتعلق بالغرامات، التي بقيت ثابتة بعد خمسة وخمسين عاما، وتعتبر هذه القوانين ضعيفة وتفتقر للقوة الردعية، ولم يوائم قانون العقوبات التطور الحاصل في العالم والمتجه نحو إلغاء عقوبة الاعدام، وترتكز معظمها إما في الغرامات أو الحبس، ولا يوجد ما يعرف بالخدمة المجتمعية مثلاً.

وأشار العاروري الى أنه تم عقد الكثير من ورشات العمل لاعادة النظر في قانون العقوبات، الا انه لم تتم مناقشة مثل هذا المشروع على مستوى مجلس الوزراء لاقراره وعرضه على الرئيس لافتقارنا للفاعلية، بالرغم من وجود الامكانيات والموارد.

 

البرغوثي: توحيد الشرعيات أولا والتعديل تاليا

وفي نفس السياق، يقول أ. إبراهيم البرغوثي مدير مركز مساواة: "فيما يتعلق بجرائم الشرف، فإن القاضي هو الشخص الوحيد الذي يملك السلطة القانونية في فرض العقوبة، والباعث في القتل على خلفية ما يسمى الشرف لا أخلاقي وغير قيمي، مثله مثل جرائم كثيرة. أما كيف يصل القاضي إلى حكمه، فهو أمر منوط بالوقائع والبينات التي تقدم له، بالإضافة الى دور النيابة العامة بتقديم أدلة ضد المتهم الذي له كل الحق في الدفاع عن نفسه.

وأوضح البرغوثي ان قتل وتعذيب وممارسة العنف ضد النساء بحاجة إلى معالجة قضائية ثقافية تربوية وقيمية، وستسهم بالتأكيد في التخفيف من هذه الأفعال، ويجب على المشرع الفلسطيني التعاطي مع القضايا الجنائية على المستوى الانساني والدولي ويهجر مقولة أن العقوبة الشديدة تؤدي الى الحد من الجرائم، بل يمكن إصلاح أي إنسان مرتكب جريمة، لأنه لا يوجد إنسان مجرم بطبيعته، وبالتالي، فنحن بحاجة ماسة الى تعديل قانون العقوبات الفلسطيني، مع الاتفاق على فلسفة واحدة ملائمة لدولة فلسطين الحديثة والديمقراطية، وفلسفة العقوبة تصدر عن قاضٍ وهو إنسان خطاء، وليس شرطًا أن يصل دائما الى عين الحقيقة، بالتالي، فلا يجب ان تكون العقوبة زاجرة، خصوصا التي يفرضها القاضي بالاعتماد على ضميره وما يقتنع به كإنسان، داخل النص القانوني.

واكد مدير مركز مساواة ضرورة أن يرتكز الحوار الآن على أمور أهم من تعديل قانون العقوبات، وهي البحث عن نظام سياسي وقانوني صحيح وشرعي، لأن اي إجراء قانوني يصدر عن جسم غير شرعي يفتقر للشرعية، ثم إنهاء الانقسام وتوحيد شطري الوطن، والأهم مواصلة النضال الوطني من اجل محاربة الاحتلال.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018