فوضى الأثير الفلسطيني

 

من يستمع إلى الإذاعات المحلية عبر موجات "أف أم" التي  يتجاوز عددها حتى الآن الثمانين إذاعة في مختلف المحافظات بحسب إحصائيات رسمية، فإنه يجد العجب العُجاب فيما يتعلق بأداء المذيعين، سواء من حيث الصوت (مخارج الحروف)، أو التأتأة في الكلام، أو مواقع الوقف والوصل، أو من حيث النحو والتزام الحد الأدنى من قواعده، وكذلك الثقافة العامة، ناهيك عن محاولة ليّ اللسان لمحاكاة لهجات عربية أُخرى وخاصة اللهجة اللبنانية (لا سيما عند المذيعات). ولا بد من القول إن ما ستقرأونه لا ينسحب على كل إذاعاتنا، وإنما على الكثير منها، مع اعتبار التفاوت بين إذاعة وأُخرى. 

فربما تستمع إلى خبر لا تتعدى كلماتُه السطرين أو الثلاثة لتجد فيه خمسةَ أخطاء نحوية أو لفظية أو أكثر. أنا لا أطالب بالوصول الى (صفر أخطاء)، فهذا أمر دونه خرط القَتاد، فما دام العنصرُ البشري حاضراً، فإن الخطأ وارد، حتى في كبريات المؤسسات الإعلامية، ولكن أن تبقى هذه الأخطاء في أدنى حدودها الدنيا، فربما يُغفر لمذيع أن يصرف ما حقُه المنع من الصرف (في بعض الحالات). ولكن من يستطيع أن يغفرَ له أن يرفع منصوباً أو ينصب مجروراً؟ لأن خطأ كهذا يشعر به صاحبُه – فضلا عن سامعه - حتى لو لم يتلق درساً نحوياً واحداً. ثم إن المستمع ربما غض بصره عن خطأ واحد في موجز أو نشرة قصيرة، أما ألا تسلم جملةٌ من أول النشرة الى آخرها من خطأ سافر، فهذا اعتداء على لغتنا واستهتار بأصحابها.

إبان المنخفض الأخير، استمعتُ الى مذيعة في إحدى الإذاعات وهي تسرد أسماء القرى التي ستصل اليها الثلوج، (وكلها في منطقة رام الله)، ومن مجموع 15 قرية تقريباً، أخطأت في لفظ ما لا يقل عن 4 قرى، فجعلت من (الطيّبة) بتشديد الياء الطيبة بالياء الممدودة، ومن (المزرعة القبلية) بتسكين الباء الى القبَلية بفتحها. أما في أسماء المناطق الأُخرى عربياً ودولياً او في أسماء الشخصيات مثل رؤساء الدول أو الساسة بمستوياتهم المختلفة فحدّث ولا حرج. إذن، لا بد من إلمام المذيع بشيء من الثقافة العامة وبعض من المعرفة، على الأقل تقديراً لمن "ألقى السمع وهو شهيد". 

في إحدى المحطات، أستمع أحياناً الى مذيعة تحاول جاهدةً، ولكن دون جدوى، تقليدَ طريقة المذيعات اللبنانيات في نبرة الصوت، فتشعر أن شيئاً قد علق في حنجرتها أو أنها قد أزالت اللوزتين لتوّها، او أنهم قدموا لها ما ستقرأه على عجل، فلم تُكمل مضغَها لآخر "لقمة" من طعامها. 

وما قلتُه عن إذاعات الـ (أف أم)، ينطبق على كثير من المواقع الإخبارية ووكالات الأنباء، التي تعجُّ بالأخطاء المطبعية والنحوية والإملائية، الأمر الذي يستدعي وقفةً جادة من أصحاب الاهتمام لدراسة الظاهرة ومحاولة علاجها.

أتساءل، ما هي المعايير التي يتم اختيار المذيع على أساسها؟ وما هي الشروط التي تشترطها الإذاعة؟ أليس من بدهيات تعيين هؤلاء أن يكونوا أصحاب شهادات وخبرات في هذا المجال؟ أوَليس من الضروري إخضاع هؤلاء لدورات تدريبية مكثفة ومتواصلة ليكونوا على مستوى يؤهلهم للعمل كمذيعين؟ أين دورُ وزارة الإعلام في الرقابة على جودة هذه الاذاعات ووضع الضوابط الضرورية والصارمة للخروج من هذه الفوضى في أثيرنا الفلسطيني؟

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018