حضرت ولادة خالد مشعل من كوبا وفلسطين.. كانت الحاجة سارة القابلة التي لا تنساها سلواد

 مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية حقبة الانتداب البريطاني في فلسطين والمنطقة العربية؛ وبسبب سوء الأحوال والفقر الذي أصاب الفلسطينيين، رحل وفد من رجال قرية سلواد قضاء رام الله من ميناء يافا إلى كوبا لتأمين لقمة العيش، ومنهم والد القابلة الشهيرة "سارة"، التي امتهنت القبالة في سن صغير، وكانت بمثابة أم لعدة أجيال في القرية الجبلية شرق رام الله.

 

كان أهل البلد يعتبرون أنها من كوبا بسبب مولدها ونشأتها الاولى هناك، وتركت بصمات على مواليد القرية منذ عقود، وصار اسمها مرتبطا بالسيرة الذاتية لكثيرين وكثيرات، وعندما يتذكر الناس الولادات، تكون "الكوبية" البطلة المخلصة للأمهات في المخاضات العسيرة. 

 

"الحال" أجرت حواراً مع الباحث ومدرس التاريخ عوني فارس (42 عاماً) الذي رصد عدة محطات من حياتها من خلال إجراء عدة أبحاث ومقابلات معها ليوثق دخولها عالم القبالة.

يقول فارس وهو يسرد الرحلة الحافلة للقابلة سارة: "اعتاد أهل سلواد تاريخياً الهجرة الى أميركا اللاتينية مثل البيرو والمكسيك وكوبا والبرازيل، حتى تحولت لغتهم الى الاسبانية وباتت أسماؤهم لاتينية مثل الحاج بيدرو الذي يعيش في سلواد حالياً. وبداية حكاية القابلة سارة كانت منذ رحيل وفد كبير من رجال بلدة سلواد من ميناء يافا إلى كوبا من أجل العمل وتوفير لقمة العيش بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين، ومنهم الحاج موسى ليلي، والد القابلة سارة".

التقى ليلي هناك بالسيدة "توماسا انطونيوس غونزاليس"، التي سميت فيما بعد "عليا" بعد إشهار إسلامها في المسجد الاقصى. وتزوّجت بالحاج موسى وأنجبا سارة في كوبا عام 1930. ومثل شريحة كبيرة من المُغتربين، لم يرق لوالديها أن تترعرع في كوبا، فرحلت عنها بعمر الستة أشهر الى سلواد.

بعد استقرار عائلة سارة ووالدتها في سلواد، هاجر الحاج موسى ليلي إلى كوبا مجدداً  ليتزوج من أخرى وينجب منها، ثم انضم الى فئة التجار الأغنياء في كوبا، ونتيجة لذلك، قتل هو وأبناؤه من زوجته الثانية إبان الثورة نتيجة الصراع الطبقي في تلك المرحلة، كما أن العديد من التجار الفلسطينيين، وخاصة تجارا من مناطق قرى شرق رام الله (سلواد، المزرعة الشرقية، كفر مالك)، لم يغادروا كوبا بتاتاً، حيث منع أي شخص يمتلك ثورة كبيرة من مغادرة البلاد آنذاك.

مع رحيل الأب وانقطاع أخباره وتركه عليا وسارة دون معيل، بدأت الأم تتدبر أمورها عبر مهنة القبالة في البلدة كبداية، وعلى الرغم من أن عمر سارة كان صغيراً، إلا انها، ومن خلال مرافقتها لأمها في كل الولادات، التقطت أصول المهنة.

 

ولادة خالد مشعل

ويروي فارس بداية دخولها إلى عالم القبالة، ففي أحد الأيام لم تتمكن القابلة "عليا"، أم سارة، من مساعدة جارتها في عملية الولادة لانشغالها في أخرى، فطلبت من ابنتها أن تقوم بذلك بدلاً عنها، فدخلت سارة إلى بيت جارتها لتجدها في المراحل الأخيرة من الولادة، فساعدتها على إنجاب من صار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس "خالد مشعل".

في عام 1970، توفيت الحاجة عليا لتحل القابلة سارة مكانها وتقوم بدور القابلة لجيل كبير من أهل البلدة منذ 1952 وحتى 2002.

 

دورها في الانتفاضة الثانية

في الانتفاضة الثانية، ورغم بلوغ القابلة سارة السبعين من العمر، إلا أنها استمرت بمهنة القبالة، ولم تتكاسل يوماً عن أداء واجبها، ولم تتوقف القابلة الكوبية عن التعلم، فقد أخذت عددا من دورات التمريض التي عقدت في القرى المجاورة.

ويشهد أهل قرى شرق مدينة رام الله لها وبصدق حدسها. تقول إحدى نساء بلدة سلواد إنها وأثناء حملها، بشرها الأطباء بمولودة، إلا ان سارة بشرتها بصبي، وبالفعل أصابت، كما المعتاد.

ويضيف فارس: "أثناء اندلاع المواجهات في الانتفاضة الثانية، حولت القابلة سارة بيتها إلى مشفى من أجل مساعدة النساء على الولادة، كما أنها ساعدت في عملية إنجاب شبان القرى المجاورة أثناء الحصار، ولم تخف أبداً من الخروج ليلاً والتنقل بين القرى، ولم تخشَ حظر التجوال وقوات الاحتلال الإسرائيلي الذين طالما عرقلوا عملها".

رحلت القابلة سارة الاسبوع الماضي عن عمر يناهز الرابعة والثمانين بعد أن أنجبت أجيالاً من بلدة سلواد، وتركت اسمها في كل حكايات وقصص الولادة في القرية.​

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018