حرية التعبير واحترام المعتقدات

طرح الاعتداء الإرهابي على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية بداية العام، علامة استفهام كبرى حول إشكالية العلاقة بين الحق في حرية الرأي والتعبير والحق في المعتقد، وهما حقان كفلتهما المواثيق والأعراف الدولية، وبخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يعتبر المرجعية الأخلاقية والقيمية لكافة منظومة حقوق الإنسان.

ثمة شعرة صغيرة بين احترام الحق وتقييده وانتهاكه، ودوماً هناك مبررات لكل طرف يبني عليها موقفه من أي اعتداء على أي من الحقوق، ولعل سلسلة المبررات تصاغ بناء على أوجه قانونية واستناداً لمنظومة أخلاقية تبرر الفعل، وهذا عائد إما لجهل في التفسير، أو لعنجهية ذاتية في القراءة.

والحق في  الرأي والتعبير لا يعطي لأي إنسان حق انتهاك حرمات الآخرين والاستهزاء بها والمساس بمشاعرهم. واحترام الحق في المعتقد لا يعني بأي حال أن يصبح سيفاً مسلطاً على آراء ووجهات نظر أي إنسان، وبخاصة المثقفون والكتاب. إلا أن أساس العلاقة بينهما (الحق في الرأي والحق في المعتقد) تقوم على القاعدة الشهيرة التي تتجسد في المقولة الخالدة "حريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين"، فهذه هي الأساس الفلسفي والأخلاقي الذي انطلقت على أساسه المنظومة الأخلاقية لحقوق الإنسان، وأي تفسير أو قراءة أخرى تشذ عن هذه القاعدة، فإنها تكون توظيفًا للمنظومة لأهداف ذاتية.

والأصل في منظومة حقوق الإنسان هو الكرامة الإنسانية والحفاظ عليها، وقد تم بناء المنظومة على ثلاث دعائم أساسية بين الشعوب: وهي الحريات وحمايتها من أي انتهاك، والمساواة بين البشر، والتضامن والاحترام بين الشعوب والثقافات.

إن ما يحدث كل فترة من رسوم مسيئة هنا وهناك، وما يتبعها من ردود فعل قاسية ومؤلمة على المستوى الإنساني، يعد انتهاكًا لقيم ومبادئ منظومة حقوق الإنسان برمتها، وهو محاولة لجعل الصراع العقائدي والديني حالة سائدة ومسيطرة في العالم عبر تغذيته بمثل هذه التصرفات اللامسؤولة، وهذا الصراع لن يستفيد منه إلا تجار الموت والقتلة والمتطرفون في العالم، أما منظومة حقوق الإنسان، فستكون الخاسر الأكبر، لأنها وجدت لترتقي بالإنسان وحقوقه وحريته، ولا يمكن أن تتوافق مع ما يحدث من توظيف سياسي للحقوق لإشعال مشاعر الكراهية والغضب والاحتقار تحت مسميات الحق في الحرية.

إن ما حدث مؤخرًا من إساءات وانتهاكات متكررة لكلا الحقين، يأتي في إطار سياسة دولية ممنهجة تفرضها القوى المهيمنة على العالم لفرض بقائها تحت مسميات محاربة الإرهاب الذي تنتجه بنفسها نتيجة هذه الممارسات، فالإرهاب هو نتاج الحرية المنفلتة والتعصب الديني، وهو الوتر الذي تلعب عليه القوى المهيمنة وذات المصلحة في إنتاجه.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018