انفصال رفح المصرية عن توأمتها الفلسطينية يفطُر قلوب الأقارب

لم ينجح اتفاق السلام الذي وقع بين مصر وإسرائيل في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، في فصل مدينة رفح التاريخية إلى مدينتين، رغم الأسلاك الشائكة والجدران المرتفعة التي وضعت بين المدينتين. وقد مرت السنون، وأواصر المحبة والتآخي كانت قوية بين الرفحين، لا سيما أن ثمة عائلات مثل قشطة والشاعر وبرهوم، ممتدة على جانبي الحدود.

وقد حافظ الأقرباء على مستويات متقدمة من العلاقات الاجتماعية، عبر التزاور وإقامة علاقات المصاهرة، متنقلين بين الرفحين بصورة قانونية عبر المعبر تارة، أو بالتهريب من خلال الأنفاق تارة أخرى.

غير أن ما حدث خلال الأشهر الماضية كان مفاجئاً، ولم يكن يتوقعه أحد، ففصل الرفحين أصبح أمراً واقعاً، بعد أن قررت مصر إزالة مدينة رفح المصرية عن الوجود، وتدمير كل منازلها وأحيائها، وتجريف بساتينها وحقولها، ونقل السكان عنوة إلى مناطق متفرقة، تبعد عشرات الكيلو مترات جنوباً.

وكانت للقرار المذكور انعكاسات اجتماعية سيئة على سكان الرفحين، بعد أن أضحى البعد الجغرافي سائداً ولأول مرة، وآمال اللقاء القريب تباعدت وأضحت شبه مستحيلة.

 

علاقات متينة

المواطن محمد الشاعر من سكان مدينة رفح الفلسطينية، أكد أنه كان يتواصل مع أقربائه المقيمين في مدينة رفح المصرية بصورة مستمرة، مستذكراً ما سماها الفترة الذهبية للأنفاق، خاصة إبان حكم الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي.

وأكد الشاعر أن الفترة المذكورة اتسمت بسهولة التواصل، سواء عبر الهاتف أو من خلال التنقل السهل بين الرفحين عبر الأنفاق أو من خلال المعبر، منوهاً إلى أن الأقرباء كانوا يتزاورون ويتبادلون الولائم والعزائم، وكأنهم يقيمون في نفس المدينة، ولا تفصلهم حدود دولية.

ونوه الشاعر إلى أن علاقات مصاهرة أقيمت بين العائلات في تلك الفترة، فالكثير من الفتيات ممن يحملن جنسية مصرية تزوجن من شبان فلسطينيين.

وأكد أن إزالة مدينة رفح المصرية عن الخارطة، خلقت مشكلة كبيرة، وحدت من قدرة العائلات على التواصل، مبيناً أنه حتى بعد إغلاق الأنفاق، كانت الهواتف الفلسطينية النقالة التي يغطي إرسالها معظم مناطق رفح المصرية تسهل الاتصال والتواصل، لكن انتقال السكان عشرات الكيلومترات جنوبا حرم الأقرباء من هذه الميزة أيضا.

 

صعوبة التواصل

الصحافي عادل زعرب كان تزوج من مواطنة مصرية قبل نحو عامين، وكان التواصل الهاتفي وتبادل الزيارات أمرًا سهلاً خلال الفترة الماضية، فزوجته كانت تغادر وتعود للقطاع، لزيارة أهلها وقتما شاءت.

وحسب زعرب، فإنه منذ قرابة العام، بدأت الأمور تتغير، والتنقل بين شطري الحدود أصبح أمراً صعباً، سواء من خلال المعبر، أو حتى عبر الأنفاق التي أغلقت كلياً.

وأشار إلى أن ذوي زوجته يقيمون حالياً في مدينة العريش المصرية، التي تقع على مسافة قصيرة جنوب مدينة رفح، بيد أن رداءة شبكات الاتصال سواء الخلوية أو الأرضية، تجعل من التواصل أمراً صعباً، ما أجبرها على مغادرة القطاع للاطمئنان على والدها المريض في آخر مرة فتح فيها المعبر قبل نحو شهرين.

ونوه إلى أنها علقت هناك، فلا هي قادرة على العودة إلى قطاع غزة، ولا هو قادر على الوصول لها، وتدمير مدينة رفح المصرية، وتشتيت سكانها، يصعب الأمور، ويشعره ببعد زوجته أكثر.

ولفت زعرب إلى أن ما حدث مؤخراً، لم يسهم في فصل التوأمتين رفح، بل باعد بين الأقرباء والأصدقاء، وجعل التواصل أمرا بالغ الأهمية.

وكان عشرات المواطنين المصريين من أصول فلسطينية، خاصة من عائلة برهوم، غادروا مناطق سكناهم الأصلية طوعاً خلال فترة فتح الأنفاق، وقرروا الإقامة في مدينة رفح الفلسطينية، وأنشأوا حيا جديدا في مدينة رفح، يطلق عليه محليا اسم "براهمة مصر".

 

آثار نفسية سيئة

أما الشاب هشام عزمي، من سكان جنوب مدينة رفح الفلسطينية، فأكد أن هدم المنازل في الشطر الآخر من الحدود، وتهجير الناس، أثر نفسياً على سكان أحياء جنوب مدينة رفح.

وأكد عزمي أنه اعتاد النظر إلى مدينة رفح المصرية وخاصة حي البراهمة، فيجده يعج بالحياة، إلا أن الحال تغير، فالحي المذكور وغيره من الأحياء دمر، وأضحى أرضا جرداء قاحلة، لا شجر فيها ولا حجر، كما أن إطلاق النار والتفجيرات المدوية التي تسمع على مدار الساعة، جعلت المواطنين يعيشون أجواء حرب وقلق دائمين.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018