الكتابات الفلسطينية الشابة.. قدوم هادئ إلى النار

في ظل ضيق الأفق السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون، يبحث الكتاب الشباب عن طرق جديدة للتعبير والمشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم، فتراهم تارة يحدثون حالتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتارة أخرى يتجاذبون أطراف الحديث في المقاهي.

قلة منهم يذهبون الى الانتاج والاصدار الاول والانطلاق في مشروعهم الثقافي. وقرروا أن يعبروا عن أنفسهم بطريقتهم الخاصة، طريقة قد تكون أكثر تكلفة، لكنها حتماً الطريقة الأقدر على الوصول، حسب ما يرى هؤلاء الشباب.

 

"وليمة للنصل البارد"

ابن رام الله الكاتب خليل ناصيف (34 عاماً) كان من المولعين بكتابة المقالات السياسية والخواطر الاجتماعية عبر مدونات الانترنت، لكنه شعر بضرورة إصدار كتاب ورقي يتوج هذه الطاقات ويضعها في مكانها المناسب خوفاً من اندثارها، وهو ما جسده ناصيف في كتابه "وليمة للنصل البارد" الصادر حديثاً عن دار موزاييك للنشر والتوزيع.

يقول هذا الكاتب الشاب إن عمله في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وخاصة في مناطق الكوارث كشف له عن عدم اقتصار الآلام الإنسانية على تلك التي يسببها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. لقد شعر ناصيف بعالمية الألم، ومحلية السعادة. ومع استمراره في متابعة الحالات الإنسانية، أصبح مقتنعاً أكثر فأكثر بأن الخيبات في الحياة تكشف للإنسان التفاصيل وراء المشاهد السطحية، وهو السبب الذي دفع بأدبه إلى أن يكون إنسانياً أكثر منه ذاتياً حسب ما يؤكد ناصيف مرة تلو أخرى، خاصة بعد أن تبين له مدى عمق الخوف الداخلي الذي يعيشه الإنسان ومدى استسلامه للحياة ومعاناته فيها.

وقد حاول ناصيف -حسب ما يقول- التعبير عن هذه المواضيع في كتابه "وليمة للنصل البارد" بطريقة أدبية اعتبرها طريقة أخرى للتضامن مع الفئات المستضعفة، وبالوقت نفسه، اعتبرها خطوة أولى في مسيرته الأدبية، وإنجازاً هو الأهم في حياته.

 

"أول أحزان اللافندر"

أما ابن الناصرة الشاعر الشاب محمد أحمد موعد (26 عاماً)، فاختار أن يكتب في موضوعات جديدة لم يكتب بها شاعر من قبل، فتحدث عن معاناة أطفال كمبوديا، وعن الأشعار التي تتبادلها نساء أفغانستان، وعن الأطفال الجوعى، وعمال النظافة، والفئات المهمشة، وعن العنف في المجتمع.

لذلك،  جاء ديوان "أول أحزان اللافندر" الصادر حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع بلغة إنسانية وقريبة من الشعور بالمعاناة التي يعيشها الإنسان، وبنفس الوقت عبر عن هذه القضايا –أو حاول- بأسلوب أدبي فني، وبأدوات شعرية متطورة أعادت للنص الأدبي روحه.

وموعد يعمل كطاهٍ في أحد مطاعم مدينة تل أبيب، وهو ما دفع به إلى طهي الكلمات وتقديمها على طبق من ذهب لأولئك الذين لا يشعرون بمن حولهم. يقول موعد في مقابلة سابقة أجراها مع صحافي من فلسطينيي الداخل أن الآخرين شعروا بأنه يكتبهم في نصوصه عندما كان يكتب عن الإنسان، وعن ذاته، وهو ما حفزه أكثر للكتابة ونشر ديوانه.

ويضيف موعد أن السبب قد يكون عائدًا في ذلك إلى أن قصائده مستوحاة من المحيط، وبالرغم من أن هذا المحيط بعيد بعض الشيء جغرافياً، إلا أنه الأقرب إنسانياً، "خاصة أن الألم والحزن لغة تفهمها كل البشرية.. وربما يكون ذلك هو السبب في اختيار عنوان الديوان (أول أحزان اللافندر)". 

وعن تجربة هاتين التجربتين في الكتابة، يقول الكاتب الكبير محمود شقير إن الرابط المشترك بين هؤلاء الكتاب، هو الروح الإنسانية التي تحتويها نصوصهم، والتي تضم تحتها تلك القيمة العامة التي تحترم الإنسان لكونه إنساناً وليس لأي اعتبار آخر، والرابط الآخر هو الإرادة التي تحركهم بعنف، وتصل بهم إلى حد الشغف بالكتابة، وهو ما يظهر بوضوح في مدى انصرافهم إلى الكتابة، واعتبارها شأناً جديراً بتكريس الوقت الكافي لها". 

وحول المجايلة والعمر في الكتابة قال شقير: "لم يعد السن هو ما يحكم إن كان هذا النص أو غيره ينضوي تحت مسمى أدب الشباب أم لا، لأن السن لا يحدد المستوى الجمالي والإبداعي للكاتب بأي شكل من الأشكال، ولأن الموهبة القوية لا تحتاج إلى من يلتفت إليها ويهتم بطاقاتها فقط، لكنها بحاجة إلى تغليفها بروح إنسانية".

وحول رأيه في التجربتين الواردتين في هذا التقرير، رأى شقير أن لدى هؤلاء الشباب الكتابات التي تدلل على موهبة عالية المستوى، ما يعزز الثقة بقدراتهم على تقديم نتاجات أدبية متميزة مستقبلاً في حال المثابرة على الكتابة والتزود بالثقافة.

وحول سؤاله عما إذا كان الكتاب الشباب قد استطاعوا الخروج من عباءة محمود درويش في نصوصهم، وتكوين شخصياتهم الأدبية المستقلة، أجاب أنه لا يرى عيباً في تأثر الشباب بشعر درويش خاصة من الناحية الإنسانية، لكن ليس التقليد الذي لا يعطي فناً أصيلاً، واضاف: "التأثر مشروع، وفيه فرص للتطور وللبحث عن الشخصية الخاصة للشاعر، لكن من المبكر القول إن الشباب كونوا شخصياتهم الأدبية المستقلة، لأن ذلك يحتاج إلى وقت وإلى ممارسة إبداعية طويلة ومثابرة".

ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه أدب الشباب هو: هل سيواصل الأدباء الشباب اهتمامهم باللغة والأدب إلى جانب الاهتمام برسالتهم الإنسانية؟ وهل ستصل هذه المحاولات إلى أهدافها؟ أم أن اليأس والإحباط سيكون مصير هذه التجارب قبل أن تبلغ رسالتها النبيلة؟

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018