السلطة الرابعة.. تراقب أم تحاسب أم تنام في العسل

 

يؤكد القانون الأساسي الفلسطيني على مبدأ فصل السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية): التشريعية تقر القوانين وتراقب السلطة التنفيذية، والقضائية تفصل في المنازعات بين الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة. 

الواقع على الأرض مختلف. فالسلطة التنفيذية -من حكومة وأجهزة أمن ووزارات وسفارات- مطلقة اليد بلا مراقب سوى السلطة الرابعة: الإعلام. فهل يقوم الإعلام بدوره الرقابي؟

يقول مراسل وكالة اسوشييتد برس محمد دراغمة: "فلسطين شهدت انتكاسة كبيرة في الحياة الديمقراطية في السنوات العشر الاخيرة، فلا انتخابات رئاسية ولا تشريعية، وسيطرت السلطة التنفيذية على صلاحيات السلطة التشريعية، وبدأت تصدر القوانين بقرارات ومراسيم رئاسية، وتعطلت الرقابة التشريعية وتداول السلطة".

في غياب الرقابة البرلمانية، سيطرت السلطة التنفيذية على القضائية، وأخذت تعين المسؤولين عن الجهاز القضائي. غير أنها أيضاً سيطرت على الإعلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولم تعد وسائل الاعلام تلعب دوراً رقابياً على السلطة التنفيذية سوى في حالات محدودة وضعيفة.

لكن الإعلاميين يدركون أن هناك ثغرة في صميم دورهم المهني. يقومون أحياناً بالتنفيس من خلال برامج إذاعية تستضيف شكاوى المواطنين، لكن هذا لا يستر الخلل الكبير، وهو انعدام المحاسبة.

مراسل وكالة "معا" فراس طنينة يقول إن هناك محاولات جريئة ويسارع للاستدراك بأنها "لم تصل بعد إلى الرقابة الفعلية". وينوه إلى الاعتداءات الإسرائيلية والانقسام والوضع الاقتصادي الصعب للمؤسسات الإعلامية في فلسطين. 

مقدمة الأخبار والبرامج في شبكة "أجيال" الاذاعية نجاح مسلم ترى الأمر من منظار مختلف: "لا يكمن دور السلطة الرابعة في محاسبة أي طرف سواء السلطة التنفيذية أو أي طرف آخر، وإنما نقل الواقع بموضوعية".

لكن مسلم تشير إلى إشكالية تواجه الإعلام في فلسطين هي عدم توفر المعلومات، وعدم القدرة على الوصول إليها، وتعدد من المشكلات الأخرى مشكلة حرية التعبير، وعدم توفير الحماية القانونية للصحافي، وعدم فاعلية نقابة الصحافيين.

إيهاب الجريري المذيع في إف إم 24 أكثر تفاؤلاً، ويرى للإعلام دوراً يختلف عما رأته زميلته من أجيال: "الإعلام مهمته الأساسية هي الرقابة على عمل المؤسسات الرسيمة وفاعليتها ومدى التزامها بالقوانين واللوائح، وأيضا مدى التزامها بدورها وقيامها بواجباتها".

ويشير الجريري إلى أن مفهوم الرقابة يكتمل بالمحاسبة، والمحاسبة تحتاج إلى قضاء فاعل وسريع، وأن السلطة الرابعة بحاجة إلى هامش من الحريات ومهنية عالية والتزام بالقوانين والأعراف الصحافية. 

يضيف الجريري أن "السلطة الرابعة في فلسطين قطعت شوطا مهما لا رجعة فيه، وهي فقط تحتاج إلى مزيد من الثبات الاقتصادي والأمني لترفع وتيرة الرقابة والمساءلة، طبعا لو كان هناك مجلس تشريعي فاعل، فإن عمل السلطة الرابعة ذاتها يصبح أفضل".

وفي هذا السياق، يقول منسق التقييم الإعلامي والجودة في مركز الإعلام بجامعة بيرزيت عماد الأصفر إن الإعلام في بلادنا ينتقد السلطة التنفيذية أكثر بكثير مما يحاسبها، فهو "يكتفي ببرامج مساءلة لبعض الوزارات على الخدمات التي تقدمها، وهي برامج أصبحت تشكل حالة من التوسط بين المواطن والمسؤول وتؤدي إلى حل المشكلات بشكل فردي وليس مؤسساتي".

وأوضح الأصفر أنه في ظل ازدحام الفضاء الفلسطيني بالإذاعات والتلفزيونات المتعددة التوجه والتبعية والملكية، فإن الأداء الرقابي افتقد إلى العمق وأخذت تنقصه المتابعة، ويعيب الأصفر على الإعلاميين "تكاسلهم": "يريدون أن يصبحوا نجوماً دون أن يدفعوا ضريبة هذه النجومية كمشقة بحث ومتاعب مع السلطات، بالاضافة للإكثار من استخدام المبررات كتدني سقف الحريات وغياب قانون حق الحصول على المعلومة". وفي رأيه، فإن الكثير من الصحافيين لم يلامسوا هذا السقف ليعرفوا ان كان مرتفعا أم لا، وإن الحل الوحيد هو زيادة مهنية الصحافي ودفعه الى مزيد من الجرأة وستكون النتائج كلها في صالحه.

وينقض الأصفر الفكرة المتداولة بشأن غياب السلطتين التشريعية والقضائية: "لا يوجد غياب للسلطة القضائية، أما غياب السلطة التشريعية فلم يحدث فرقاً، كانت لدينا سلطة تشريعية سابقا ولم تكن الصحافة تلعب دورا أفضل من الآن".

نقيب الصحافيين عبد الناصر النجار يقر بأننا لم نصل في صحافتنا إلى بداية الطريق الاحترافي من حيث الدور: "السطة الرابعة قد تراقب السطة التنفيذية، لكنها لا تحاسبها مطلقاً، فنحن لم نصل من الديمقراطية لدرجة محاسبة السلطة التنفيذية بالإعلام". 

ويعزو النجار ذلك إلى كون جزء من الإعلام الفلسطيني حزبياً والجزء الآخر رسميًّا، فما تبقى من وسائل الإعلام ليس لديها القدرة على المحاسبة أو المساءلة إلا في قضايا هامشية، "كيف لإعلام السلطة أن يراقب السلطة؟".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018