الإسمنت يصل غزة بالقطارة.. وإعادة الإعمار حلم بعيد المنال

 

بعد نحو ستة أشهر على انتهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ عقود، ظهر فشل الآلية الدولية التي اتفق عليها لإدخال الاسمنت ومواد البناء الأخرى للقطاع، والتي تعرف باسم "خطة سيري"، في إطلاق عملية إعمار حقيقة، تنهي معاناة أكثر من عشرة آلاف أسرة مهجرة فقدت منازلها، إضافة إلى نحو 100 ألف أسرة تضررت مساكنها، فالأسمنت ومواد البناء الأخرى تصل "بالقطارة"، ومستحقوها يضطرون للانتظار أسابيع وربما أشهرا، وحين يعلن عن أسمائهم، فإن شراء ما قرر لهم من مواد بناء، يتم وفق إجراءات بالغة الصعوبة.

 

عملية معقدة

يقول المواطن خليل أبو حمد، من سكان جنوب قطاع غزة، وقد تضرر منزله جزئياً بسبب سقوط قذائف في محيطه، إن "إجراءات شراء الاسمنت مذلة ومعقدة، وتنطوي على الكثير من الانتظار والمعاناة".

وأكد أبو حمد، أنه حصل على تعويض مالي من وكالة الغوث، وطلب منه انتظار إعلان اسمه في كشوف المستفيدين من الاسمنت، وقد انتظر أكثر من خمسة أشهر، عانى وأسرته خلالها ويلات البرد، وحين وجد اسمه في الكشوف، ذهب لشراء 12 كيس اسمنت هي كل ما تقرر له، لكنه فوجئ بأن العملية معقدة، فبعد أن قطع أكثر من 14 كيلو مترا للوصول إلى الموزع المعتمد، اضطر للانتظار في طابور طويل، ثم قدم صورة عن هويته، ووقع على إقرار الاستلام، وحذره القائمون على التوزيع من مغبة بيع الاسمنت، وأنه قد يتعرض لتفتيش لمعرفة ما فعله بالكمية التي استلمها.

وبين أبو حمد أنه شعر أن ما استلمه أسلحة محرمة دولياً، أو مواد ممنوعة، فكل هذه الضجة من أجل 12 كيس اسمنت!

 

انتظار ويأس

أما المواطن إبراهيم الشاعر، وقد تعرض منزله لأضرار بالغة جراء قصف طيران إسرائيلي لمنزل مجاور، فأشار إلى أنه ومنذ انتهاء العدوان، وهو ينتظر ورود اسمه في كشوف مستحقي الاسمنت، ليتمكن من إصلاح أضرار منزله.

ولفت الشاعر إلى أنه وبعد أن أيقن بأن ما باتت تعرف بـ "خطة سيري" عقيمة، وان حصوله على الاسمنت قد يطول، وقد لا يحصل على كامل الكمية التي يحتاجها، قرر اللجوء للسوق السوداء، وبعد معاناة وبحث مطول، اشترى كيس الاسمنت الواحد بأكثر من أربعة أضعاف ثمنه الأصلي.

 

إعمار بعيد المنال

يؤكد المهندس فادي جمعة، مدير شركة مقاولات متوقفة عن العمل منذ عدة سنوات، أن الكميات المحدودة من الاسمنت ومواد البناء الأخرى التي وصلت القطاع، لا يمكنها أن تحدث حركة عمرانية، أو أن تسهم في بدء عملية الإعمار المنشودة.

وبين جمعة أنه بالإضافة لقلة الكميات الواردة من الاسمنت الذي وصل القطاع بعد العدوان، فإنه سيئ النوعية، فكثير من المواطنين يعتقدون بعدم صلاحيته لإنشاء وتشييد مبانٍ، وهذا لم يثبت حتى الآن هندسياً، فمعظم الفحوصات التي أجريت له كانت ايجابية، وأعطت نتائج جيدة.

وشدد جمعة على أن عملية إعمار شاملة، بحاجة لإدخال كميات هائلة من مواد البناء المختلفة، وحتى لو اتفق على ذلك، وسمحت إسرائيل به، فإن معبر كرم أبو سالم بطاقته الحالية سيكون عاجزاً عن تلبية هذه الاحتياجات، لذلك فإن الأمر معقد وصعب.

 

سوق سوداء

وأغرى السعر المرتفع للاسمنت، بعض المتضررين ممن حصلوا على حصة منه، ببيع حصتهم أو جزء منها.

وأمام أحد مقار توزيع الاسمنت جنوب القطاع، كان التجار ومن هم بحاجة للسلعة المذكورة، يتسابقون لشراء الاسمنت من أصحابه.

ووصل ثمن الكيس الواحد لأكثر من مائة شيقل، علماً بأن ثمنه الأصلي لا يتجاوز 27 شيقلا.

ويقول المواطن أحمد عمر، ويعمل تاجراً للأسمنت، إن أسعاره مرتفعة، بسبب حاجة المواطنين، وبخاصة المتضررون له، وقلة الكميات التي تعرض للبيع.

وبين أنه يقف ساعات طويلة أمام مقار التوزيع، على أمل شراء عدة أكياس، حيث يبيعها على الفور، وأوضح أن شح الاسمنت خلق سوقاً سوداء، وهذا الأمر تسبب في ثراء بعض التجار، وأرهق مواطنين كانوا بحاجة ماسة للسلعة.

 

آلية واضحة

وبتفاصيل الآلية التي اعتمدت مؤخراً، أكد د. يوسف موسى، مدير مكتب وكالة الغوث الدولية بمدينة رفح "الأونروا"، التي أخذت على عاتقها صرف مساعدات مالية لأكثر من 100 ألف أسرة تضررت منازلها جراء العدوان، أن عملية حصول المنتفع على الاسمنت تمر بعدة مراحل، تضمن حصول الشخص على كامل حاجته من مواد البناء.

وأوضح أن مهندسين مختصين يزورون البيوت المتضررة، ويقيمون حجم الأضرار، ثم يتم تقدير حاجة صاحب المنزل من الاسمنت والحصمة ومواد البناء، وترسل البيانات كاملة لوزارة الأشغال، في حين تصرف وكالة الغوث أموالا تكفي لإصلاح الأضرار في المنزل، وشراء مواد البناء.

وتابع: "وفق الآلية يتم التنسيق مع الجهات المعنية، وينشر أسماء المستفيدين، ويتوجه كل شخص للحصول على الكمية التي يستحقها، على أن تتولى "أونروا" لاحقاً متابعة الأمر، والتأكد من أن الأسمنت استخدم للأمر الذي صرف من أجله.

وشدد موسى على أن "الأنروا" ليست جهة في الاتفاقية، ولا تتدخل في آلية وطريقة توزيع الاسمنت، ودورها يقف عند حدود تقدير الكميات للمتضررين، ونقلها لوزارة الأشغال.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018