أسرار سمرين: 22 عامًا في السجن.. سنة ثانية صحافة

 لم يكن يعلم أن المواجهات التي اعتاد أسرار سمرين وصديقه جمال الرمحي خوضها في سنته الأولى لدخوله الجامعة، ستشكل المنعطف الأكبر في حياته؛ ففي الأول من شهر كانون الثاني من عام 1989 وفي عز الانتفاضة الأولى، توشح أسرار كوفيته وتقاسم الحجارة مع صديقه جمال الرمحي، وراحا يرشقان دوريات الاحتلال بالحجارة على خطوط التماس مع الاحتلال في مدينة البيرة، ولم تكن تلك "الطلعة" المرة الاولى لهما، لكنها كانت فاصلة ومؤلمة، وبعد لحظات قليلة، إذ بقناص مسترخٍ على الجهة المقابلة، يطلق رصاصتين استقرت الاولى في عنق الرمحي وتبعتها رصاصه أخرى لم تخطئ جسد الرمحي لتؤكد الموت مرتين، وتسمر أسرار بجانب رفيقه، وكأن الرصاصة استقرت بجسده، وكأن روح الرمحي حلقت وسلمته شعلت المقاومة.

 

ندفعهم الثمن

"يجب أن ندفعهم الثمن". هكذا بدأت خيوط الحكاية على لسان الأسير المحرر أسرار سمرين الذي أمضى عقدين وثلاث سنوات في سجون الاحتلال، قبل أن يتحرر ويعود ليدرس الصحافة والإعلام في جامعة بيرزيت.

وعن رحتله الصعبة، يقول أسرار: "كان لا بد من اجراء تعديل على تلك المعادلة التي يضرب فيها الشخص حجراً لتصيبه رصاصة قد تقتله وقد تبقيه عاجزا مدى الحياة".

وبعد إجراء اتصالات مع قيادات خارج الارض المحتلة، تم تأمين خمس قطع من السلاح، ليشكل بعدها خلية فدائية مع فتاة تبادله نفس الأفكار والروح الثورية، رفيقة السلاح والجامعة عبير الوحيدي، التي تولت قيادة الخلية، وبعد سنتين من استشهاد رفيقه الرمحي، وتحديدا في الأول من كانون الثاني عام 1991، حمل أسرار الشاب المتوثب مسدسه، وفي حدود الساعة الخامسة مساءً، مر مسرعا بسيارة يقودها صديق له وهو بجانبه في المقعد الأمامي، ضغط على الزناد واطلق ثلاث رصاصات على مستوطن في سيارته بشارع نابلس- البيرة وأسقطه قتيلا، وكانت بجانب المستوطن طفلة بعمر الرابعة عشرة لم يصبها، رغم قدرته على ذلك، فهدفه كان جنديًّا أو مستوطنًا، وليس امرأة أو طفلاً، وخلال تسعة أشهر، استطاعت الخلية تنفيذ سبع عمليات اسقطت فيها قتلى وجرحى.

 

المطاردة والاعتقال

وفي قرية كوبر إلى الشمال من مدينة رام الله، أخفت ابنة المجموعة عبير السلاح لدى شخص له تجربة في السجن والعمليات، وبعد فترة، كثفت مخابرات الاحتلال بحثها عن السلاح وأسماء المجموعة، واستطاعت أن تصل إلى السلاح وتعتقل أفراد المجموعة تباعًا، ليدخل أسرار ورفاقه في رحلة تعذيب طويلة قبل المحاكمة، انتهت بالإدانة والحكم بالسجن مدى الحياة.

 

23 سنة في أسطر 

حكمت المحكمة على أسرار بالسجن مدى الحياة، وكلمة "سجن" وحدها تعج بكل معاني البشاعة،  لم يتذكر فيها أسرار سوى أشد اللحظات قسوة، كأن يضغط جندي على رقبته ويجبره على فتح فمه ليبصق فيه! أو حتى إجباره على تناول طعامه في المرحاض! وأن يبقى بملابسه الداخلية مشبوحاً في "ساحة الأسود"، كما كان الأسرى يسمونها، ويُضرب طوال الليل دون توقف وتحت أي جو كان!"، هكذا يتذكر أسرار عذابات سجنه.

وفي السجن، قضى أسرار ربيع عمره بين جدران مظلمة لم يكن يرى فيها النور. قتلت فيه روح الشباب وأحرقت عمره الصغير، وحين يتحدث عن التجربة، لا ينسى أسرار تلك الصباحات التي لا تأتي بشمس، وتلك الليالي التي قضاها وحيدًا تحت ذلك السقف الذي لا يأتيه بقمر.

يتذكر تلك الأيام بالقول: "كانت الأيام كالاشهر، والأشهر كالسنوات، لا تختلف في أحداثها ولا تأتي بجديد، وكل تلك المعاناة لم تكسر إرادة من يؤمن بأنه أقوى من السجان، لكن وفاة والدتي وأنا خلف القضبان، كانت بمثابة السكين الذي غرس في صدري".

"أمك ماتت". كان وقع هذا الخبر أقسى على أسرار من كل ما رآه في سجنه، على الرغم من أن الموت حق على الجميع، إلا أن وفاة والدة سمرين كانت غير اعتيادية في حياته، فهو لم يستطع ان يطبع قبلته الأخيرة على جبينها، فقد رحلت وبقيت حسرة وداعها في نفس أسرار.

 

أسرار اليوم 

بعد أن انتزع أسرار حريته ضمن الدفعة الثانية من أسرى ما قبل أوسلو، عاد إلى جامعة بيرزيت، وعلى بعد خطوات بسيطة منك، قد تصادفه دون أن تدرك أو تفكر أنه قد تلثم وحمل بندقيته وكان يومًا فدائيًّا.

أسرار طالب أربعيني بثغر مبتسم، وشعر قد أخذ منه الشيب حصته، لكن قلبه ما زال شابا حاملا أحلاما وآمالا سرقتها ثلاثة وعشرون عاما من الاسر. أسرار اليوم يكمل مسيرته الاكاديمية في سنته الثانية من دراسة الاعلام، ويعيش حياته الكاملة مع عائلته، حيث ينتظر مع زوجته طفله الاول.​

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018