لماذا كتبوا في الحال قبل 10 سنوات؟

02/10/2015

شقت النسخة الأولى من "الحال" طريقها في درب "صاحبة الجلالة" الوعر قبل عقد، وفي هذا العدد، تنشر الصحيفة ما يشبه "الفحص الذاتي" لما لها وما عليها، بهدف تجاوز العثرات، وتمكين نقاط القوة وزيادة رقعتها. وتجمع لهذا الهدف آراء إعلاميين ونقدهم وملاحظاتهم، ولا تغلق الباب لسماع ردود من القراء وزملاء المهنة؛ لأن صحيفة دون تواصل مع القراء، ومن غير استرشاد بذوي الخبرة، ستظل تُخاطب نفسها.

 

عشر سنوات من الاستقصاء

نبهان خريشة- إعلامي

قبل عشر سنوات، اتصل بي الزميل عارف حجاوي يسأل عن إمكانية المشاركة في مجلس إدارة "الحال" التي سيصدرها "معهد الإعلام" في جامعة بيرزيت، فوافقت فورًا؛ لمعرفتي أن هدف هذه الصحيفة وضع حجر أساس لصحافة استقصائية في فلسطين.

تأخر العدد الأول لأكثر من ثلاثة أشهر، حتى بتنا نخشى من عدم إمكانية صدورها؛ لضعف مادة ذلك العدد في معالجة قضايا ببعد استقصائي طمحنا له، إلا أنها تجاوزت تلك العقبة، وصدرت "الحال"، مراهنين على تطورها في المستقبل، وتناولها لمواضيع لم تجرؤ وسيلة إعلام محلية على تناولها، وهذا ما حصل فعلاً خلال عقد من عمرها.

إن ما يميز "الحال" عن الإعلام المحلي المطبوع والمرئي والمسموع والإلكتروني أنها شكلت-أولاً- خروجًا على نهج "تكنيس" البيت ووضع النفايات تحت السجادة، والادعاء بأن البيت نظيف. وأصبحت –ثانيًا- منبراً لصحافيي المستقبل،  فمعظم من يكتبون فيها هم طلبة الإعلام في بيرزيت، الذين يشكلون الجيل القادم من الصحافيين بعد أن "تجف أقلام وترفع صحف" الجيل الذي أنتمي إليه شخصيًا من الصحافيين.

 

لا نعرف قيمتها إلا حين نحتاجها

ناصر اللحام- مدير مكتب الميادين في فلسطين ورئيس تحرير وكالة "معًا"

قبل عشر سنوات، كانت الصحافة الفلسطينية تمر بمخاض عسير، وأحداث كبيرة يصعب ترتيبها في جدول التوقعات، كاغتيال عرفات، والفلتان الأمني، والاجتياح، والانقسام، والانتخابات، والتنافس الضاري على الحكم، وهياج العوام، وانعدام الموارد، وتراجع العمل النقابي، وانتشار الهرطقة والسفسطائية، وكان لا بد من مراسٍ كثيرة لتثبيت السفينة وسط الأمواج العاتية .وفجأة ظهرت مرساة ثقافية مهنية اسمها جريدة "الحال"، لم تنافس على السلطة ولم ترم نفسها تحت أقدام السلطان، ولم تلهث وراء الدعايات التجارية، ولم تحاب أصحاب النفوذ، بل رمت بالأوزان الثقيلة في قاع البحر؛ من أجل تثبيت سفينة الصحافة وعدم تحطمها.

لم تكن "الحال" الأغنى والأوسع انتشارًا والأقوى، ولكنها كانت تعرف ماذا تريد، وما هي الأدوات السليمة والصحيحة للوصول إلى غايتها، وبقصد أو دونه، عملت "الحال" على نفي نظرية (الغاية تُبرر الوسيلة)، وقدّمت لخريجي الصحافة مساحة حرة تمنحهم حق التعبير، كما قدمت للمؤسسات الصحافية المتنافسة مرهما لتطهير الجراح.

تفوق أهمية بقاء "الحال" مدى حساب الربح والخسارة، فهي صندوق الإسعاف الأولي الذي يحتاجه كل فريق، ولا نعرف قيمتها إلا حين نحتاجها. 

 

تميزت بالتميّز

نظير مجلي- إعلامي ومحلل سياسي

إن تميز العمل الصحفي، أيا كان حال الصحيفة وحجمها ووتيرة صدورها، يعتبر عنصرا أساسيا في الإبداع. و"الحال"، منذ عرفتها في أعدادها الأولى وحتى اليوم، تتميز بالتميز، وتحتضن عددًا من الصحافيين الناشئين، الذين يزيد عن عددهم في أية صحيفة أخرى.

وتتناول الجريدة قضايا الناس وهمومهم اليومية، بمقدار يفوق كل الصحف الفلسطينية الكبرى، وتحرص على سماع رأي القراء، في كل عدد، وتلتزم خطابا حرا، نفتقر إليه في صحافتنا "الملتزمة". أما مقالاتها وتقاريرها فقصيرة وناجعة، ومقال رئيسة التحرير الافتتاحي أقصر وأنجع، على طريقة "ما قل ودل"، وهي سحر وفن في مهنتنا.  

لقد صنعت "الحال" مكانًا مستقرًا لها في عالم الصحافة الفلسطينية، وربما يكون قد حان الوقت لزيادة وتيرة صدورها لصحيفة أسبوعية. ولولا معرفتي بالصعوبات، لقلت يومية. فبعد عشر سنين، لا يجوز إبقاؤها بهذا الحجم وهذه الوتيرة. 

من حق كل محبيها، عاملين وكتابا وقراء، أن يروها في العقد الثاني أكبر وأغزر. ولكنني سأحافظ على مطلب متواضع الآن، وهو أن تزيد عدد صفحاتها حتى تتسع لمزيد من المواد ويتم تكبير الحرف بحيث يستطيع قراءته كبار السن خفيفو النظر.

 

أسرت الشرطي من عقول بعض الصحافيين

سمر الدريملي- صحافية من غزة

كنت من أوائل من كتب لـ "الحال"، وقد كانت مساهمتي خلال أعدادها الأولى تبحث عن كل ما هو جديد ومميز و"حساس" و"شائك"، وفي كل مرة تهاتفني هيئة التحرير "ما جديدك سمر؟".

لم أكن أستطيع أن أقترح أفكارًا تقليدية، أو استهلكت "تناولًا ونشراً"، وقد كان البحث عن فكرة تقرير جديدة تأخذ وقتاً أطول من إجراء وكتابة التقرير نفسه. فصحيفة "الحال" تجبر كل من يعمل معها على الابتعاد عن التناول التقليدي في الشكل والمضمون والفكرة. وكانت الصحيفة وما زالت تبحث عن كل ما هو نادر التداول، أو موضوعات شائقة وممتعة، أو حتى مهمشة، وبعيدة عن الضوء.

واستطاعت الجريدة أن تأسر الشرطي المتواجد في عقول بعض الصحافيين وأقلامهم، وجعلتهم أكثر جرأة وقدرة على تخطي هذا الحاجز، بحيث صاروا يطلقون العنان للنقد البنّاء، والتحليل "الساخر الجاد"، ويلاحقون المسؤولين وصناع القرار ويستجوبونهم، ويطرحون المشكلة بعمق، ويفتشون عن حل واقعي وممكن. بعد مرور عشر سنوات على تأسيسها، صارت الجريدة تُفرّح القلب وتُبيّض الوجه.

 

تناول نقدي ونموذج لإعلام مُتعدد

خليل شاهين- صحافي وكاتب

ليس لدينا بعد في فلسطين مؤشرات لقياس مدى نجاح صحيفة مطبوعة، لكن ترقب قطاع من القراء لصدور صحيفة ما، يشكل مؤشرًا يجدر بصحيفة "الحال" أن تعتز به. فهناك من ينتظر، ويترقب، ليطلع على ما تتضمنه الجريدة من قضايا تتناولها بشكل نقدي، يقترب من الاشتباك أحيانا مع مراكز القوة والنفوذ.

لم تعد "الحال" مجرد صحيفة مطبوعة تقليدية، فهي اليوم منبر للنقاش، ينفتح على مشاركة صحافيين ممارسين، وخريجين جدد، وطلبة إعلام. كما أنها تتصدى لتقديم نموذج لإعلام متعدد الوسائط الأكثر انتشارًا وتأثيرا. وفي كل ذلك، باتت نافذة أيضا نطل منها على أسماء تبشرنا بجيل جديد ومهني من الصحافيين والصحافيات.

تشكل "الحال" قصة نجاح، لكنها تنطوي على تحديات عديدة، أولها تعريف الهوية والرسالة والدور الخاص بها. وثانيها الإجابة عن سؤال كيف ننتقل من النقطة التي نقف فيها اليوم إلى النقطة التي نريد الوصول إليها؟ وثالثها تطوير تناول القضايا المختلفة لتشمل الفنون الأكثر تأثيرًا، كالقصة الصحافية والتحقيقات الاستقصائية. ورابعها الاشتباك فلسطينيًا مع الجدل المثار عالميّا حول مراجعة المعايير الإعلامية المهنية، بل وإعادة تعريف دور الإعلام، في ضوء الانتشار الهائل لوسائط التواصل الاجتماعي، وتقنيات الإعلام الجديد.

 

بداية قوية تبعها تراجع

ربى عنبتاوي- صحافية

حين صدرت "الحال"، أحدثت نقلة نوعية في الإعلام الاستقصائي ومقال الرأي من حيث مساحة الحرية المتاحة، والاهم أنها لم تكن مؤطرة حزبياً، بل كانت للجميع، تتحدث وتنتقد كل الأطياف والأحزاب. 

كانت الصحيفة ظاهرة، ففي بداياتها ضمت طاقماً مميزاً من أساتذة وإعلاميين شباب، وتلقيت دعوة للكتابة في أوائل أعدادها من معلمتي ورئيس التحرير الآن نبال ثوابتة، وتناول أول تقاريري كاميرات المراقبة في القدس القديمة، وأذكر أني كتبت نصًا طويلاً، في حين كانت سياسة رئيس التحرير عارف حجاوي أن نختصر ونُكثّف. ودهشت حين شاهدت الاختصار للنصف، ومن يومها تعلمت أهم درس في الصحافة التقريرية، وتجنب الحشو والوصول السريع للفكرة، والتكثيف، فالقارئ لا يملك الكثير من الوقت ليقرأ التقارير بالغة الطول.

تابعت كتاباتي، وكان الصحافي في تلك الصحيفة الجريئة المثيرة للجدل آنذاك، قد ضمن له قاعدة لا بأس بها من القراء، وانتشرت بشكل لافت في كل المحافظات، وأحدثت تفاعلا لنوعية مضامينها، وأسلوبها الجديد، وكشفها للمستور في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية. لكن بعد التزام دام لسنوات، توقفت عن الكتابة المنتظمة لارتباطي بأعمال أخرى، لكن ما لاحظته لاحقًا أن "الحال" لم تعد قوية ومنتشرة كما في السابق، ولم تعد مصدر قلقٍ لكثير من أعداء كشف المستور كما كانت، وتراجع انتشارها.

أقترح في عيد "الحال" العاشر، أن تعود الصحيفة إلى سيرتها الأولى، لتصبح حديث الناس، ومصدر قلق دائم بمهنيتها كما كانت.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018