لغة على جبل الأعراف

02/10/2015

خالد سليم

سأل أبو علقمة النحوي، وهو أحد المتقعرين في اللغة في العصر العباسي، الذين يستخدمون غريب الألفاظ، خادمه: أصقعت العتاريف؟ فقال الخادم: زقفيلم!

فتعجب أبو علقمة، وقال لخادمه: يا غلام! ما زقفيلم هذه؟ فقال الخادم: وأنت، ما صقعت العتاريف هذه؟ فقال أبو علقمة: معناها أصاحت الديكة؟ فقال له خادمه: وزقفيلم معناها: لم تصح.

ومرة، قدم على أبي علقمة النحوي ابن أخ له، فقال له: ما فعل أبوك؟ قال الفتى: مات. فقال له: وما علته؟ قال: ورمت قدميه. فقال أبو علقمة: قل قدماه. فقال الفتى: فارتفع الورم إلى ركبتاه. فقال له: قل ركبتيه. فقال الفتى: دعني يا عم، فما موت أبي أشدَّ عليّ من نحوك هذا!

على أن أبا علقمة وأمثاله، كانوا ردا "متطرفا" على شيوع اللحن في عصرهم. وكلا الفريقين متطرف في نهجه، فليس التقعر في اللغة مقبولاً، وليس إهمالها مقبولاً أيضا.

ما نسعى إليه فكرة واضحة بلغة سليمة نحوًا ومبنى، فهل إلى هذا من سبيل؟

إن اللغة هي المادة الخام، التي يقتضي التعامل معها مهارة في تطويعها للخروج بأشكال متناسقة وأنيقة، يعجبنا مبناها ومعناها.

اللغة جميلة، والأدوات جميلة أيضا، يظل فقط حسن الرسم والألوان.

***

في معلقة طرفة بن العبد، عدد الرجل ثلاثة أمور تسعده في الدنيا، ولا يأسف لدنو أجله إن فعلها، ذكر إكرام الضيف وإغاثة الملهوف، والثالث هذا البيت:

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب.. ببهكنة تحت الخباء المعمد.

وإزالة لإعجام البيت، فإن الرجل يريد امرأة ممتلئة يقضي معها وقته في المطر.

لقد كانت المرأة الممتلئة مثالاً للجمال الذي يسعى إليه صاحبنا. إلا أن ما كان يطرب طرفة وقومه، في النساء واللغة، لم يعد مقبولاً هذه الأيام، ولم تعد "البهكنة"، لفظة ودلالة، مما يحب الناس في زماننا.

الصحافة اليوم تحتاج إلى لغة قادرة على إيصال رسالتها، دون وحشي الألفاظ، ولا سفسفها.

***

في دراسة ألمانية حديثة، توقع علماء لغويون اختفاء أكثر من 90٪ من لغات العالم خلال قرن.

وتحدثت الدراسة عن أكثر من 6000 لغة مستخدمة في العالم اليوم، ما يعني أن قرابة 600 لغة فقط مرشحة للبقاء والتداول بحلول العام 2115. 

لحسن حظنا، تحتل اللغة العربية المرتبة الخامسة في عدد الناطقين بها في العالم، وهي مرشحة للبقاء، وكونها لغة القرآن الكريم، وكثرة الناطقين بها، ضمانتان لها من الاندثار.

ولعل هذا أدعى لنا للالتفات لها ومحاولة مواءمتها لحال عصرنا.

***

نريد في الإعلام لغة تقف في المنتصف، على جبل الأعراف؛ لغة خالية من التعقيد المرهق والبلاغة العالية غير المفيدة، وخالية أيضًا من الإسفاف في اللفظ والنحو، بما يشوه المعنى ويربك الفكرة.

ونزعم أننا في الحال، بذلنا جهودنا لنقدم لغة وسطية، لا تصعب كتابتها، ويسهل فهمها، بل ربما كانت مرجعا لكثيرين، كتبوا موادهم، فنشرنا قمح المعنى واللفظ، وأبعدنا الزوان.

إن سرعة تدفق معطيات الإعلام تقتضي رشاقة في الكتابة، وتكثيفًا في المعنى، فلا يكون الإطناب مملا، ولا الإيجاز مخلا.

***

يقال في الحديث اليومي: "دوام الحال من المحال".

أما "الحال"، حالنا، فقد دامت عشر سنوات، وستدوم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018