ذكريات من هنا وهناك

02/10/2015

نبال ثوابتة

عشرة أعوام مرت، نمت فيها غرسة الحال، كشتلة يعرف غارسها أنها لن تعيش، وهو أصلا لا يريد لها أن تعيش، أو أن تتنفس لأكثر من أربعة أشهر، ريثما يتسنى له قول ما يريد قوله. إلا أن تلك الشتلة عاشت وعشنا معها فصولها وقصصها، وهذه حفنة منها:

 

إرادة النشوء

صحافتنا الفلسطينية رسمية ومغلفة بورق خشن. وليس هناك من يطوّل باله لفتحه. وبالعربي، صحافتنا ثقيلة دم، وفوق كل هذا كذابة قليلاً. حين خرجت الحال صحيفة "نغشة" تتحدث مع القارئ مباشرة دون مقدمات وتمهيدات، ودون الكثير من الحسابات؛ أحبها الناس وانتظروها، وقالوا عنها عبارات تكررت كثيرا ومن مصادر عدة، حتى إننا حفظناها. قالوا عنها: ننتظرها ونقرأها من الجلدة للجلدة. وقالوا: جميعنا نقرأها؛ غفيرنا ووزيرنا. وهذه نهاية الفصل الاول.

 

بداية الفصل الثاني.. الثبات

لأن ما ينفع الناس يبقى، بقيت الحال. لم نتعب كثيرا في إقناع الممول بأهميتها، لأنها واضحة. واستمرت الحال، وعرفنا أن الموضوع ليس أربعة أعداد وفقط. هذه جريدة ولدت لتعيش، ودمها لم يكن من أوردتنا فقط، بل ما حدث أن كل صحافي أراد ان ينشر ما هو جريء، ورئيس تحريره يراقبه؛ ضخ مادته لـ"الحال"، منتظرا ردة فعل المسؤول وردة فعل الناس. بدأ السباق رئيس تحريرها الأول والأب المؤسس عارف حجاوي، وكتب في عددها الاول، عدد الإقلاع، مقالا حول العائدين. طارت به الجريدة عاليا. تحدث عنها المثقف والسياسي والعائد، مغتاظًا طبعًا. في الصحف اليومية، وفي النهار التالي، نشر مقالان من كاتبين كبيرين انتقدا به الحال وعارفها. وبدأت كرة الثلج بالتدجرج. توقفت في بعض الأعداد، وزادت سرعتها في أعداد أخرى. إلا أنها لم تذب. 

 

فصل المثليات وأم مازن وهاتف لا يتوقف عن الرنين

وجاء في أعداد البدايات أن نشرنا مقابلة مع سيدة اسمها زهرة، وهي رئيسة جمعية المثليات الفلسطينيات. وقالت: نحن موجودات، ومن يرغب بالالتقاء بنا، فهذا عنواننا. نهاية الصدمة الأولى! 

الصدمة الثانية كانت في العدد نفسه وعلى أولاها، وتحديدًا في الربع الأيسر السفلي من الصفحة الأولى، فقد نشرنا صورة سيدة فلسطين الأولى السيدة أم مازن، وكانت تلك المرة الاولى التي تنشر بها جريدة فلسطينية صورتها. وهنا بدأت الصدمة الثانية. عاتبنا الإخوان في مكتب الرئيس وكأنه ليس من حقنا أن نفعل ما فعلناه. تحويشة الصدمة الأولى والثانية كانت كمًّا مرعبًا من الاتصالات الهاتفية المؤيدية والمستنكرة. خلقنا تفاعلاً عاش أيامًا. حدث التواصل بين الصحافة والناس. 

 

حراك وصحافة تحدث تغييرًا.. وتخدم الفقراء 

المفتي في ذلك الوقت صديقنا الشيخ تيسير التميمي قال لبسمة، إحدى ضحايا الزواج العرفي في فلسطين: ليتني أستطيع مساعدتك، إلا أن الأمر ميئوس منه. الحال نقلت التالي: عائلة فقيرة في مخيم ما. يضغط الأخ الأكبر على بسمة لتقبل الزواج عرفيا من رجل ميسور ومتزوج. يتزوجان عرفيا وتنجب ولدين وبنتًا. يموت الرجل ويدفن معه حق الأولاد في شهادة الميلاد. والنتيجة أب ميت وأم ما زالت في هويتها عزباء، ولا صلة قانونية لها بالأبناء. "الحال" نشرت القصة والصور على الأولى فتدحرجت كرة الثلج وتدخلت "الإن جي أوز" النسوية، ودفعت المفتي ليساعد، فحصلت بسمة على هوية مكتوب فيها "متزوجة"، ومدون معها أسماء الأبناء. بهذا، تغيرت حياة العائلة، فأصبحوا موجودين في ملفات الحكومة، ودخلوا المدارس.

 

وزير.. ومحكمة

اخطأنا في موضوع ما خطأ بسيطاً يتكرر كل يوم في عقر دار الصحافة. لكن خطأنا كان "ذهبيًّا"، ليس لأنه غير مسبوق، بل لأنه ممن ينطبق عليهم قول "لعله خير"، أو "عسى أن تكرهوا شيئا". 

لقد كرهنا ذلك الشيء: وزير تعرف كل البلد ما له وما عليه، إلا أنه مستمر في كل ما يفعل. والخير الذي حدث أنه أعطى الصحافة الفلسطينية سابقة: وزير يرفع قضية على صحافية! 

الدرس المستفاد: لا تنشر قبل أن تتأكد، وإن نشرت، فأحيانًا لعله خير. 

 

موزعو الحال والأمن الوقائي.. والإيقاف المؤقت

الايقاف المؤقت هنا لا يعني mute بل يعني "مُتِتْ خوف"، وهذا ما حدث قبل أن أتعلم وضع هاتفي الخلوي على وضع صامت قبل أن أنام. وما حصل أنه في أحد أيام صدور الحال، رن الهاتف في الخامسة صباحًا، وجاء صوت موزع الحال وقال: "الأمن الوقائي أوقفوني، وأنا الآن في السجن. الله لا يردني، بس إنتي قوليلي: هاي الجريدة لحماس؟". فرفكت عيوني وقلت له: لا. 

كان مانشيت الأولى ملبسًا لمن يقرأه دون أن يقرأ المادة، ولا يدري أنحن مع حماس أم ضدها. نحن لسنا مع الإخوة لا في فتح ولا في حماس. نحن مع الحقيقة ومع الناس. تدخلت يومها المستويات العليا وأفرج عن الموزع الذي قال لي يومها: "حد الله بيني وبين شغلكو"، واستقال. وإنصافا لأعزائنا الموزعين، فقد تكررت معهم مثل هذه المواقف، من إيقاف توزيع، وسحب أعداد، ورفع السلاح في وجوههم.. إلخ. من هذه الخيارات. استقالوا جميعًا وبعدها تعلمنا درسًا آخر. شركات التوزيع والنشر الإلكتروني أضمن.

 

نهاية مفتوحة على طريق مغلق 

طبعًا لم تنتهِ القصة، فالكرة تتدحرج وتدور وإن كان اللعيبة اليوم مختلفين، ولكن من يهتم، المهم الجول. 

"الحال" سجلت الكثير من الأهداف وستواصل التسجيل. قبل عشر سنين، لم نكن متأكدين من ذلك، ولكننا كنا نحلم بذلك. اليوم نحلم بذلك ومتأكدون منه. 

 

الإخفاقات في آخر 3 سنوات

قللنا من التحقيقات. وفقدنا أقلامًا رائعة كتبت معنا. وقللنا عدد النسخ المطبوعة.

أما قصة الموقع الالكتروني للحال، فلن تكتب. يعرفها وقد يُعرِّف بها من يجرؤ من الزملاء.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018