بين رواية الخبر ونقله*

02/10/2015

 

**سام بحور

 

لكل ثقافة رواياتها الخاصة، سواء كانت للتسلية أو التعليم أو الحفاظ على التراث الثقافي أو غرس القيم الأخلاقية. وكثيراً ما تعالج هذه الروايات أكثر من هدف في آنٍ واحد. وغالباً ما تتكرر هذه الروايات داخل الأسرة أو المجتمع ككل. وهذه الروايات غالباً ما تتسم بطابع الخرافة، لكنها غالباً تتضمن إيحاءات حول الحقائق الكامنة خلفها. إن دورة حياة الرواية من الواقع إلى الخيال محل نقاش في وقت لاحق، ولكن دعونا نأخذ بعين الاعتبار أن الوسيلة الأساسية للرواية هي الوسيلة الشفوية، وأن مزيجاً من الحقيقة والارتجال والتنميق عادة ما يكون موجوداً في نسختها النهائية.

الأخبار، من ناحية أخرى، هي شكل خاص من أشكال سرد الرواية. والأخبار بحد ذاتها صناعة تعتمد على مِهَن متعددة تعمل بتتابع لإنتاج الروايات الإخبارية، والتي للأسف تتم غربلتها وإعادة صياغتها من خلال نظرة معينة لخدمة مجموعة محددة من القيم والأهداف. علاوة على ذلك، إن مجال عمل الأخبار في ظل السرعة المتناهية والعالم المرتبط رقمياً بشكل فائق في عصرنا الحالي أصبح أكثر تخصصاً من أي وقت مضى، مع وجود أجندات أعمال متنافسة بشكل متبادل، سواء أراد قطاع الإعلام الاعتراف بذلك أم لا. لقد أصبحت الموضوعية في عالم الصحافة شيئاً من مخلفات الماضي، ونادراً ما توجد، وغالباً لا يتم السعي وراءها في عروض إنتاج وتقديم أخبار اليوم.

إن علاقة الأخبار بسرد الرواية هي بمثابة عملية إنتاج الزيتون بالنسبة للمستهلك. فالمنتَج النهائي، سواء كان زيتوناً أخضر ممتلئاً أو خبراً مكتوباً بشكلٍ جيد، يبدو رائعاً للوهلة الأولى، ولكن الشكل لا يمثل سوى جزء من الصورة. ولكي يصل الزيتون اللذيذ إلى مائدتنا، فإنه يحتاج إلى عمل جماعي مثابر؛ حيث تتطلب كل مرحلة من مراحل دورة حياة الزيتون خبرة مهنية خاصة بها. فالمزارع يغرس الأشجار متباعدة قليلاً بعضها عن بعض، ثم يقوم بتسميدها، وتقليمها بعد كل موسم حصاد، ثم يتحمل قاطفو الزيتون العبء الأكبر من العمل، حيث يقومون بتجريد فروع الأشجار من الثمار، وغربلة المحصول من الأوراق، وتعبئته وتجهيزه للعصر. وتعصر ثمار الزيتون بواسطة عمال محترفين آخرين يستلمون الزيتون ويحولونه إلى زيت ذهبي اللون. وبعد جني الزيتون، يتم تقليم الأشجار. هذا فنٌ قديم، لا يقوم به مزارعان اثنان بنفس الطريقة. والهدف من التقليم هو زيادة وصول الضوء والهواء إلى داخل فروع الأشجار، للحد من الآفات والأمراض، والحيلولة دون شيخوخة تلك الفروع، ويتم التخلص من الفروع الميتة. فلكل مرحلة مختصون بها، وكل منهم يعتمد على المرحلة التي سبقت عمله ليتمكن من تنفيذ مهامه، ومن ثم المضي إلى المرحلة المقبلة. وإذا أُسيء التعامل مع أي مرحلة، فقد يختلف طعم الزيتون أو الزيت. وأصحاب الخبرة يستطيعون من الوهلة الأولى تمييز مدى ضعف العملية.

وعملية صناعة الأخبار تشبه إلى حد كبير عملية إنتاج الزيتون. يحدث الخبر؛ ثم يقوم صحافي محترف بتغطيته. وخلال مرحلة صناعة الخبر، يتم جمع أجزاء مهمة من المعلومات فضلاً عن بيانات ليست لها صلة بالأخبار، أو روايات لا يمكن التحقق من صحتها. ويدقق الصحافي الجيد الكثير من المعلومات الخاطئة أو ما ليست لها صلة بالخبر، وبعدها يمرر الخبر إلى المحرر. وكمقلم أشجار الزيتون، يسلط المحرر الضوء على الخبر، ويستغني عن الروايات التي لا يمكن التحقق من صحتها. وبعد ذلك، يتم التأكد من المصادر ومراجعة الحقائق. وبعد تنفيذ هذه العملية فقط، يمكن للخبر أن ينتقل إلى مراحل أخرى جديدة كلياً، وصولا لمرحلتي النشر والتوزيع.

ويتضح من تصوير هذه العملية الموجزة أن دورة حياة الخبر ما هي إلا دورة يسعى من خلالها كل صحافي محترف إلى استخدام مهاراته في نقل الخبر إلى القارئ بأكبر قدر ممكن من المعلومات المفيدة وبجميع الوسائل الممكنة (أجرؤ على قول "موضوعية")، بالرغم من نفوذ الشركات فيما يتعلق بالأخبار التي يتم نقلها وتراجع الموضوعية في عصرنا الحالي.

إذاً، ما علاقة ذلك كله بفلسطين، وصناعة الأخبار؟ الكثير.

قبل الانتقال إلى المجتمع الدولي، دعونا نركز قليلاً على سوق الأخبار المحلي. فالعملية تعاني خللاً فادحاً باستثناءات قليلة جداً. وكالزيتون، تنبثق الروايات كأخبار، ولكن لأي متابع جيد للأخبار، لا تزال هناك رغبة كبيرة في الحصول على المزيد من التفاصيل من وكالات الأنباء السائدة لدينا. لن أطيل الحديث عن أوجه القصور في النظام، ولكنني أتساءل: كم هو عدد المرات التي تم فيها نقل رأي من الآراء على أنه خبر، أو تم فيها تقديم إعلان تجاري على أنه رواية إخبارية؟ وكم عدد الشخصيات العامة أو التجارية التي قامت بصياغة رواياتها الخاصة ونشرها كما هي، بأخطائها اللغوية والنحوية وغير ذلك؟ والأسوأ من ذلك كله، كم عدد الصحافيين الذين يتلقون رواتب من مصادر أخرى غير الجهة التي يعملون لديها، من أجل الترويج لشخص أو شركة أو مسار سياسي معين؟ الوقت ليس مناسباً لتقييم أوجه القصور تلك، ولكن دعونا نعترف بوجودها، ونفهم جيداً أنها تشكل عائقاً كبيراً لدخول سوق الأخبار العالمية الأكثر تطلباً وجدية.

 

العودة إلى رواية الخبر

في المجتمعات التي تعاني من الاضطهاد، كمجتمعنا، تلعب الروايات دورا حاسماً في نقل تاريخ الشعوب من جيلٍ إلى آخر، فضلاً عن تاريخ نضالهم من أجل الحرية.

نحن نروي الخبر بشكل جيد جداً.

قام البيت الدنماركي في فلسطين مؤخراً بعرض فيلم وثائقي جديد باللغة الإنجليزية (مترجم إلى العربية) للمخرج مهدي فليفل، عنوانه "العالم ليس لنا" وتعرض لانتقادات لاذعة. عندما كان مهدي في التاسعة من عمره، انتقل إلى الدنمارك مع والديه. ومع تقدمه بالعمر، اعتاد كل صيف العودة إلى مسقط رأسه "مخيم عين الحلوة" للاجئين بجنوب لبنان، حيث لا يزال جده وعمه وأعز أصدقائه يعيشون هناك حتى هذه اللحظة، بالإضافة إلى 70,000 لاجئ فلسطيني آخر. ومن خلال ثروة كبيرة من التسجيلات الشخصية، وأرشيف العائلة، والصور واللقطات التاريخية، يصور الفيلم ثلاثة أجيال يعيشون في المنفى، ويعطي صورة حميمة تغلب عليها روح الدعابة، عن الفراغ المطلق الذي يهيمن على حياتهم اليومية.

قصة مهدي هذه قصة حقيقية، مدعومة بشخصيات وأماكن حقيقية ولمحات قاسية جداً من مأساتنا الواقعية. من ضمن الفنانين الآخرين بيننا، الكاتبة فِدَى جريس، التي تروي قصصاً لشعبنا بطريقة خيالية خفيفة، ولكن بإطار واقعي يمكن من خلاله لأي شخص يعيش هذا الواقع أن يفهمه بسرعة وسهولة. فِدَى من قرية فسوطة الفلسطينية، القريبة من الحدود اللبنانية. من خلال قصصها العربية القصيرة "حياتنا الصغيرة" و "الخواجا"، تصف الحياة اليومية في قريتها في الجليل، التي يمكن أن تكون قرية في أي مكان آخر في العالم. وبحس فكاهي، وروح دعابة وشعور دائم بالواقع، سلطت فدى الضوء على حياة القرويين الفلسطينيين وتجاربهم ومعاناتهم اليومية في إطار كوميدي خفيف. فدى هي إحدى كتاب القصص القصيرة لدينا، ولها هدف كمعظم كتاب القصص. وهدفها، كما يبدو بوضوح، هو إعطاء الطابع الإنساني للشعوب المعذبة والمضطهدة، وفي الوقت ذاته تسلية القارئ طوال الوقت.

ومن الجهود الأخرى العظيمة لرواية قصتنا الواقعية، رواية "السلك" باللغة العربية، التي كتبها السجين المحرر عصمت منصور، الذي أمضى 20 عاماً من حياته في سجون الاحتلال الإسرائيلي. عصمت من دير جرير في الضفة الغربية. في كتابه، يصور غزة، المكان الذي لم تطأه قدمه قط. تصوره الكامل عن غزة جاء من المعلومات التي حصل عليها من زملائه المعتقلين من غزة. وبعض الأشخاص من غزة الذين قرأوا الكتاب أفادوا أنه استطاع وصف الواقع في غزة  أفضل من أولئك الذين يعيشون فيها. وللأسف، لم يتم ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية أو أي لغة أخرى لاستقطاب جمهور أكبر. إن حاجز اللغة يشكل عائقاً كبيراً جداً أما نقل رواياتنا على نطاق واسع.

أنا واثنان من الزملاء الأميركيين كانت لنا أيضاً محاولة لنقل الروايات الخاصة بالشعب الفلسطيني. تلك المحاولة كانت بعد حرب الخليج الأولى في العام 1991، واستهدفت الرأي العام في الغرب. وقد اخترنا في حينه التاريخ الشفوي كوسيلة للتعبير، حيث شرعنا بجمع ونقل عينة من رواية الشعب الفلسطيني بأكمله- أولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكري، وأولئك الذين يعيشون في إسرائيل، واللاجئين والآخرين الذين يعيشون في الشتات. وكانت النتيجة كتاباً بعنوان، "الوطن: التاريخ الشفوي لفلسطين والفلسطينيين". والزميلان الأميركيان اللذان شاركاني هذه التجربة هما: ستوتن ليند، وهو مؤرخ أميركي معروف، وكاتب وناشط في مجال الحقوق المدنية، وزوجته، أليس ليند، صاحبة كتاب "لن نذهب: حسابات شخصية لمناهضي الحروب". ولم نكتف بجمع روايات أشخاص من مختلف مناحي الحياة فقط، ولكننا قمنا أيضاً بصياغة تلك الروايات بشكل مهني - غربلة الزيتون من الأوراق - ثم قمنا بدعم ما سجلناه بدقة شديدة من خلال مراجع مستقلة. وهكذا، تم توثيق الكتاب على نطاق واسع، وبذلك، فإن الروايات لها شرعية كبيرة من وجهة نظر القارئ. شهادات كشهادة الراحلة أليكسا ناف، المؤرخة السابقة بمعهد سميثسونيان، منحتنا الشعور بالرضا كونها علمت أننا ساهمنا في عمل مهم جداً؛ حيث كتبت ناف أن كتاب الوطن "مؤثر جداً ويحرك المشاعر.. ومصدر لا يقدر بثمن لدراسة كل من التاريخ الاجتماعي للفلسطينيين ونضالهم من أجل وطنهم".

للروايات طرق عديدة للوصول إلى جمهور واسع، والأخبار ليست سوى واحدة منها.

 

الآلة الأخبارية

إن عدم كوني صحافيا أو إعلامياً محترفاً يجعلني أتردد في وضع آليات حول ما يتوجب حدوثه لتحويل روايات شعبنا إلى أخبار، لا مجرد روايات حول نضالنا من أجل الحرية والاستقلال، وإنما روايات شعبنا حول كل شيء، مثل: من نحن، وكيف نعيش ونحب، وكيف نختبر تحديات الحياة، وكيف نتعامل مع المعاناة التي نعيشها، وكيف نزرع طعامنا، وكيف نرقص، وكيف نستمع للموسيقى، والقائمة تطول.

إذا أردنا دخول سوق الأخبار العالمية، المتغير بسرعة متناهية والمُشبع بالمنافسة الشرسة، يجب علينا التمييز بين رواياتنا وأخبارنا. فعندما يتم تحديد خبر جدير بالنقل، يجب علينا تسخير كل جهد ممكن لنقله بوسيلة تصل بسلاسة إلى القارئ العادي، وذلك من خلال قصص إنسانية تُسرَد في الوقت المناسب دون زخرفة، أو مبالغة، أو زيف، وتكون مدروسة ومكتوبة بشكلٍ جيد، وموزعة بشكل مهني، إلا أن وجود عدد كبير من المنابر الإعلامية في عصرنا الحالي يعتبر تحدياً كبيراً أمام تحقيق هذا الهدف.

خُلاصة القول: بالرغم من رغبتنا العميقة في خلق قطاع أكثر موضوعيةً وأقل تجارياً، ليس لدينا أي خيار سوى أن نتعلم صناعة الإعلام، والاستثمار في المهارات والمؤسسات المطلوبة، والاشتراك في اللعبة دون التخلي عن أخلاقيات المهنة إذا أردنا لرواياتنا أن تنقل. والبديل هو الاستمرار بإرسال الروايات إلى الآلاف من حسابات البريد الإلكتروني غير المعروفة والنوم طوال الليل معتقدين أننا أحدثنا تأثيراً على العالم، بينما في الواقع لم نفعل شيئاً سوى الضغط بأنملة أصبعنا على زر الإرسال الموجود على لوحة المفاتيح لدينا.

 

* هذا المقال مترجم عن المقال الأصلي باللغة الإنجليزية

** رجل أعمال فلسطيني- أميركي مقيم في مدينة رام الله، ويعمل مستشاراً للسياسات لدى الشبكة "شبكة السياسات الفلسطينية". وُلد ونشأ في مدينة يانجزتاون، بولاية أوهايو. لمعرفة المزيد، يمكنكم الاطلاع على مدونته الإلكترونية على العنوان التالي: ePalestine.com.

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018