الصحافة المكتوبة: فرص الاستمرار والمنافسة

02/10/2015

عماد الأصفر

في ظل ازدحام المشهد الاعلامي وتراكم خسائرها المادية وقله متابعة الجمهور لها، هل ستسمر الصحف في الصدور ورقياً ؟ وهل ستمتلك فرص المنافسة؟

وبعد هذه المقدمة التبريرية، أقول إن المشهد الإعلامي مزدحم كثيرا هذه الأيام، مع ابتعاد وقلة اعتناء بالإعلام التقليدي أو على الاقل توزع متابعيه على فضاء واسع من الأدوات. ويبقى السؤال: هل تملك الصحافة المطبوعة فرصا للاستمرار في الصدور ورقيّا؟ وإن توفرت هذه الفرص، فهل هناك فرص للمنافسة؟ هذه الأسئلة مثارة منذ سنوات، ودوافع الاستمرار في طرحها وإثارتها تتعزز يوما بعد يوم في ظل المعطيات التالية:

 

  • الانتشار الهائل للألواح والهواتف الذكية التي تقدم الأخبار والمعلومات لحظة بلحظة ومجانًا، مع زيادة وانتشار عدد التطبيقات التي تأتيك بالخبر الواحد من مصادر متعددة مع إمكانية تحديد المصادر وتصنيف الاخبار كفلسطينية أو دولية أو عاجلة أو طبية أو فنية أو أدبية كتطبيقFlipboard  أو تطبيق نبض مثلا. 

  • تنامي وتراكم العجز المالي لمؤسسات الإعلام المكتوب وابتعاد المعلنين والممولين والمانحين عنها، فمثلا، باتت المؤسسات التي توزع إعلاناتها على وسائل الإعلام حسب نسبة متابعيها، مجبرة على توزيع إعلاناتها بشكل واسع جدا، وهو ما قلل من فرص الصحف في الحصول على اعلانات مجزية.  

  • لم تستطع الصحف التأقلم ولا التجاوب مع الايقاع السريع للحياة العصرية ورغبات الجمهور في التفاعل

  • الإيقاع السريع للحياة وتجاوب الجمهور معه، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يرغب الجمهور بمعلومة سريعة ومختصرة ومكثفة، وما يرافق ذلك من انتشار لخدمة الاخبار عبر الرسائل القصيرة وتنامي الرغبة لدى كثيرين في استخدام التفاعلية التي توفرها وسائل الإعلام الجديد، فالكل يرغب في التدخل وإبداء الرأي والتعليق.

كثيرة هي الاسباب التي تدفع الى الاعتقاد بان عصر الصحافة الورقية قد دخل غرفة الانعاش، ولكنها تنطلق جميعا من معسكر واحد استطاع أفراده التأقلم مع الاجهزة الحديثة والهواتف والالواح الذكية، فيما هناك معسكر آخر ما زال وفياً يتمترس خلف الورق ويصر على طباعة المنشور الالكتروني وشراء الكتاب حتى لو توفرت نسخة إلكترونية مجانية منه. ويبدو ان هناك معطيات تدعم فكرة تعايش او استمرار المعسكرين لفترة مقبلة قد تطول. ومن هذه المعطيات:

 

  • تحظى الكلمة المطبوعة باحترام وثقة الجمهور اكثر من الكلام الالكتروني، وما زالت وسيلة رسمية للاعلان الحكومي وعنوانا لاهتمام المعلن التقليدي

  • ما زال الجمهور ينظر باحترام وثقة اكبر للكلمة المطبوعة من تلك المنشورة على مواقع الانترنت، بل ان الكاتب نفسه يعتني بكلماته التي ستصدر ورقيا، اكثر بكثير من عنايته بتلك التي ستصدر إلكترونيا، ناهيك عن ان جمهور القراء يمتاز عن جمهور المتصفحين بالتركيز والهدوء والعمق والنظرة النقدية التحليلية، وهو ما يفتقده المتصفحون الذين يمرون سريعا على كتابات مختصرة، ولم يعودوا صبورين للتمعن والتعمق في كتابات اطول نسبيا. 

  • تنامي الثقافة الاعلامية للجمهور مكنه من تلمس مساوئ الاعلام الالكتروني الآخذة في الازدياد بسبب غياب الضوابط والتكاثر السريع،

  • سهولة ورسمية التوثيق وصعوبة التزوير في الصحف الورقية اكبر بكثير منها في المواقع الالكترونية، فالروابط تختفي في العالم الافتراضي والحسابات تخترق، والاسماء الوهمية تزدهر، والمسؤولية تختفي؛ ففي الصحيفة الورقية تجد دائما اسمًا لرئيس التحرير المسؤول وعنوانا ثابتا لمقر المطبوعة، ولكنك لا تجد ذلك في كثير من المواقع الالكترونية. 

  • ازدهار الجرائم الالكترونية وسوء السمعة المهنية للعديد من المواقع الالكترونية فضلا عن تكاثرها الانشطاري.

التعايش القائم حاليا بين الصحافة الورقية والاخرى الرقمية ، مرشح للاستمرار لفترة قد تطول او تقصر تبعا لحسن ادراك القائمين عليها وتجاوبهم مع المعطيات الجديدة ومتطلبات الجمهور

 

  • تجاوب الصحف مع التحديات والمعطيات الجديدة كان في الغالب شكليا وبهدف اظهار القدرة على مسايرة الحداثة والتطور، وليس استغلال خصائصها لخدمة الصحيفة وظل بعيدا عن تطوير السياسات والاشكال التحريرية  

  • بعض الصحف اندفع اكثر فأسس مواقع إلكترونية تفاعلية ومتعددة الوسائط تجد بداخلها مواد مصورة واخرى صوتية ويجري تحديثها بانتظام وعدة مرات خلال اليوم وتشتمل على الاخبار العاجلة، ومواد اعيد تحريرها لتصبح انسب للنشر الالكتروني، وهذا استدعى مزيدا من الجهد والنفقات وتوظيف كادر متخصص وتدريب الطاقم القديم ليواكب التطورات التقنية، ولا شك في أن المردود لم يكن بحجم الجهد والانفاق، وكاد يخلق هويتين للصحيفة.

  • كافة الصحف تقريبا لجأت الى خفض النفقات ومحاولة تعزيز الموارد عبر تقليل عدد الكتاب والموظفين والمصورين والرواتب وتقليل عدد النسخ والاهتمام اكثر واكثر بالاعلانات التجارية والاعمال الهامشية كطباعة الملاحق والكتب والبحث عن تمويل، وتقليل الانشطة التي تحتاج وقتا وجهدا ومالا كالتحقيقات والمواد الخاصة، وزيادة الاعتماد على الاشتراك في الوكالات والاخذ من المواقع والفضائيات والصحف الاجنبية.

  • قليل من الجهد تم بذله من اجل استكتاب كتاب جدد وصحافيين قديرين او من اجل تطوير الاساليب التحريرية لتكون اكثر استجابة لواقع التدفق الهائل والسريع للاخبار والمعلومات، فبعض الصحف ما زالت تعتقد انها مصدر خبري، فتضع على صفحتها الاولى عنوانا نكون قد سمعناه عبر الاذاعة قبل 18 ساعة وربما شاهدنا صوره مباشرة واستمعنا لكافة الآراء والتعليقات عليه قبل ان ننام. 

اعتقد ان بعض التوصيات قد تكون صالحة لاطالة فترة بقاء الصدور الورقي للصحف، ولكن المنافسة مسألة صعبة جدا وغير مرتبطة بمهارة فرسان الصحافة المطبوعة بقدر ما هي مرتبطة بتغير مزاج وسلوك المتلقي. ومن التوصيات التي قد تخدم بقاء الصحف الورقية:

 

على الصعيد الاداري

 

  • توحيد مكاتب الاعلانات للصحف من اجل انهاء التنافس الذي قد يقود الى تدني اسعار الاعلان وما يرافقه من استجابة او خضوع للمعلن.

  • اتفاق الصحف على يوم او يومي اجازة لكل صحيفة بالتناوب دوريا، فالعائد المالي من المبيعات ضئيل والكلفة التشغيلية كبيرة.

 

على الصعيد التحريري:

 

  • على الصحف الاعتناء اكثر بالتعمق فيما وراء الخبر اكثر من اعتنائها باظهار الخبر، والتركيز على الجانب الخدماتي والارشادي ولعب دور الوسيط، واعادة الاعتبار للصحافة المطبوعة كونها صحافة رأي وتحليل، واعتناء بالجانب المعلوماتي وبشكل تصميمي حديث.

  • البحث عن خبراء ومجالات وميادين جديدة لتغطياتها، كالمجالات الثقافية والفكرية والتربوية العميقة التي تستصعب وسائل الاعلام الاخرى الخوض فيها، وكذلك المناطق المهمشة التي لا تهتم بها التلفزيونات، والخبراء والمتحدثين والكفاءات الذين لا يظهرون على التلفزيونات والاذاعات لسبب او لآخر.

  • رصد واستخدام واستغلال ما تنتجه وسائل الاعلام الاخرى كالفضائيات والاذاعات والمواقع الالكترونية سواء عبر اعادة نشره او اعادة التعامل معه.

 

التوصيات :

 

 

  • إنهاء التنافس عبر توحيد مكاتب الاعلانات

  • تعطيل بالتناوب لخفض كلفة التشغيل

  • الاهتمام  بالمعلومات وبما وراء الخبر والتركيز على ادوار الارشاد والوساطة

  • الاهتمام بالتحليل والمقالات كتغطية على تراجع الدور الاخباري

  • ابراز الخبرات والكفاءات الجديدة

  • انشاء مجال للتفاعلية ونوادي للاصدقاء

  • التكامل مع الموقع الالكتروني وحسابات التواصل الاجتماعي

  • محاولة التمايز عن الصحف الاخرى بالصورة والكاريكاتير والتصميم  

  • اتاحة مجال التفاعلية مع الجمهور عبر الموقع الالكتروني وحسابات التواصل الاجتماعي وتخصيص صفحة او اكثر يوميا او اسبوعيا لرسائل او آراء القراء ومساهماتهم وخلق مجالس امناء من المجتمع المحلي ونوادي لأصدقاء او مشتركي الصحيفة.

  • التكامل اكثر واكثر بين النسخة الورقية وما ينشر عبر الموقع الالكتروني وحسابات الصحيفة على مواقع التواصل الاجتماعي عبر الردود والتعقيبات.

  • محاولة التمايز عن الصحف الاخرى، فإن كان صعبا في مجال الخبر ففي الصورة والكاريكاتير والشكل التصميمي والالوان.

  • النشر على حلقات لمواد مهمة ومثيرة للاهتمام سواء كانت ادبية او تاريخية او ملخصات لكتب حديثة او مواد مترجمة يجري اختيارها بعناية.

تجربة جريدة الحال:

قد لا تكون جريدة الحال الشهرية الصادرة عن مركز تطوير الاعلام في جامعة بيرزيت منذ نحو عشر سنوات، النموذج الافضل الذي نقترحه لحل مشكلات الصحافة، فهناك اختلافان جوهريان، اولهما ان الحال شهرية وليست يومية، وثانيهما ان الحال ممولة ولا تعتمد على المبيعات او الاعلانات، ومع ذلك، فإن في سياسة تحرير الحال الكثير مما يمكن الاستفادة منه:

  • الاستقلالية عن السلطة والفصائل وعدم الخضوع لسياسة تسترضي المعلنين او محاباة المتنفذين.

  • مميزات الحال:

  • الاستقلالية عن السلطة والفصائل وعدم خضوع للمعلنين

  • التعاطي الجريء مع عناوين وقضايا حساسة اجتماعيا ةسياسيا

  • التنوع العمري والجغرافي والبعد عن الحسابات الوظيفية 

  • عرض آراء الجمهور 

  • رشاقة التحرير والبعد عن اخبار العلاقات العامة

  • استخدام اوسع للكاريكاتير 

  • الجرأة في التعامل مع القضايا السياسية والفصائلية وقضايا الفساد سواء عبر التغطيات او المقالات.

  • الروح الشبابية؛ فمعظم صحافيي الحال هم من طلاب الاعلام من عدة اماكن وهو ما يضمن وجود حماس وتنوع في المضمون والجغرافيا وبعد عن المحاذير او الاعتبارات غير المهنية كالعلاقة مع السياسيين او الحسابات الوظيفية.

  • إفراد الحال مساحة جيدة لعرض آراء الجمهور. 

  • الرشاقة في التحرير فالمواد مكثفة. 

  • استخدام اوسع للكاريكاتير.

  • البعد عن الاخبار البروتوكولية واخبار العلاقات العامة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018