التحقيق الاجتماعي: ما لا يكتبه الصحافيون

02/10/2015

صالح مشارقة

 

ثمة وصمات صغيرة تلحق بالصحافيين في السنوات الأخيرة، تزدريهم وتتعامل معهم على أنهم مخلفات صحف ومطابع، وفرسان دونيون في فضائيات مأجرة لدول وأجهزة أمن وبنوك ومرابين وملوك غسيل أموال. حتى الجوائز ورفع القبعات، فإنها تذهب لعلماء الاجتماع والأدباء أو ضباط الشرطة، أما الصحافيون، فهم تحت النقد أو مدعوّن هامشيون على أطراف حفلات الإنتاج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

سأكتب هذه المقالة لأقترح مخارج للزملاء للخروج من تحت عصا المساءلة، واقتراح توجهات جديدة في التغطيات من خلال تجربتي الصحافية بعد 19 عاما من عملي مراسلا في 1996 ومحررا 2001 ومدربا 2005 وأستاذا جامعيا ومنسقا لوحدة بحوث وسياسات الإعلام الآن.

حقل هذه المقالة هو جريدة الحال الجامعية الصغيرة، التي عملت فيها منذ تأسيسها مراسلا ومعلقا ومدربا وأخيرا محررا مقيما لتدريب قرابة 20 طالبا شهريا من دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت. 

ثمة تحديات كثيرة، فالتكنولوجيا صارت المضمون الذكي، والكتابة صارت علما تقليديا غير مفرح، السياسة صارت السلطة الاولى في العلوم الاجتماعية، الإعلانات غير رشيدة، الكتابات الصحافية أغرقت نفسها في المعلوماتية فقط، أو أسندت ربابتها للتعليق الصاخب، ولا وسطية ولا وسيط ناضجا في الوسائط. هذه جزء من محفل نقاش أكاديميي الاتصال والصحافة، وطاولات نادرة تتخصص في صناعة صحافة تكون المفاعل الأول في إنتاج المعرفة اليومية والتاريخية للجمهور. 

إذن، ما هو دور المحرر في الوسيلة؟ كيف يحضر طبخة التحرير؟ لمن يتبع: للجمهور أم للسلطة؟ أية قوالب أو ثيمات أو أفكار أو قيم سيضعها في متناول المستمعين والقراء والمشاهدين، هل هو مؤتمن مثل المفكر على إنتاج المعرفة اليومية أم أنه موظف ثانوي على هامش رأسمال المجتمع؟ ما الذي فشلت فيه تجربتي كمحرر مقيم مع الطلاب، وما الذي خربته في عقول الزملاء الصغار؟

 

"التلاعب" مع صاحب الجلالة الجمهور

قبل أكثر من مئة عام، وبعد الثورة الفرنسية، شتم الفيلسوف لوبان الجمهور، ويعود كتابه الآن للواجهة بعد الربيع العربي. "ثمة حاجة لشتم الجمهور"، هكذا قال لي أستاذ إعلام عربي في أحد المؤتمرات. طبعا كلام صديقي غير حكيم. وفي المقابل، ثمة مئة عام من نظريات الاتصال قبل الآن، تمجد الجمهور وتنصبه آلهة معرفية، وهو ما حدث في الربيع العربي، حيث صار الاعلام أسيرا للجموع والاندفاع الجماهيري، وبين تصادم هاتين الوصلتين (جمهور يقود الصحافيين وجمهور يقوده الصحافيون)، يجب أن نعامل أنفسنا باحترام أكبر، فلا ننقاد ولا نقود، بل نرشد هذا الجمهور الهائج على معرفة يومية تؤهله لبناء رأيه، نخفف ولاءه الأعمى للفكر أو الأيديولوجيا أو الأديان، بمعارف يومية من معلومات وتعليقات تجعله يتسامح ويواصل المشي في التاريخ دون أزمات.

 

التسامح كأجندة للتقرير الصحافي

قبل سنوات، طلبت من طالبي محمد مرار أن يكتب تقريرا صحافيا عن التسامح بين الصائمين وغير الصائمين في جامعة بيرزيت. وزعنا الأدوار على متحدثين متشددين وعلمانيين، وجئنا بأصوات ثالثة من ذات الفريقين، لكنها متسامحة، وجعلنا (المحرر والمراسل) موقفها بليغا وسيدا، باللغة والجماليات والوعي، فصار لدينا تقرير يأخذ الجمهور إلى منطقة لا يتذكر فيها موقفه الأصولي، بل يعمل فيه عقله ووعيه ودوافعه لاتخاذ موقف، لا التمترس على قديمه. 

قبل عام، دفعت أكثر من طالبة لمناقشة الحجاب، كتبنا تقريرا عن وجود سبعة أنواع من الحجاب في بيرزيت، موزعة على سبعة فصائل فلسطينية تحور شكل حجاب البنات ليطابق طابعها السياسي. طورت الأمر مع طلابي لتكتب وفاء صالح فجأة: (تزايد ظاهرة خلع الحجاب في بيرزيت)، وينفعل منه القراء على الفيسبوك ويشتمون ويهجمون على الفكرة ويحصل التقرير على أكثر من 15 مشاركة في الفيسبوك ويندلع نقاش كبير، أماتني من الخوف على البنت القروية التي كتبته. تابعت النقاش من الجريدة في الشفت الليلي، وتخيلت أن عراكا بالأيدي سيحدث بين الطلاب غدا في الجامعة. استيقظت مبكرا وتابعت التعليقات على الفيسبوك، وفجأة، اكتشفت أنها انتهت الى استنتاجات من قبيل: (هذا عمل صحافيين). لا أعرف إن كانت الجملة تهكمية أم أن في باطنها استئمانا للصحافيين على إثارة النقاش المعرفي. ملت للمعنى الثاني، وفرحت أيما فرحة، وذهبت للجامعة مليئا بالسعادة. نجحت فكرة التقرير. نجحت جرأة الصحافية الصغيرة. نجح الجمهور في المعرفة والنقاش. صارت فكرة خلع الحجاب خارج سلطة الجمهور والصحافيين، في مكان آمن لا أعرف إلى أين سيأخذها، لكن العملية التجريبية آمنة، ومؤكد أنها ستصل إلى واقع أفضل مما كانت عليه.

 

التلاعب مع سلطة الجمهور

الخلاصة مع الجمهور: يجب أن نتلاعب معه وبه، لا نراه من عين لوبون العرقية والفاشية فننتج له إعلام التنويم المغناطيسي، ولا بعين الحياد والموضوعية التي كتب لها كثيرون، ولا نتمترس في تصنيفات الثنائيات، كأن نكون إما مع الجزيرة أو الاخبار اللبنانية، CBC المصرية أو 21 الاخوانية المغلقة، بل مع توجهات صحافية غير عميقة، (أخروية) على رأي عزمي بشارة، لا تتوقع نهاية الإنتاج، وتكون على طرف الجمهرة، تقول شيئا آخر مفيدا للجمهرة وعكسها، معها وضدها، تحرس النقاش ولا تتوقع نهايته، إلى أن تفيء الجمهرة إلى رأي أو لا رأي، فالعملية في جوهرها هي الإنتاج وليس النتيجة.

 

اللاموقف في حياة الصحافي

كل اللاموقف هذا، لم أتعلمه من نظريات الإعلام المحكمة في الجامعة، بل من مزاح سهرات اتبعته مع أصدقائي الكاتب زياد خداش والناقد التربوي مالك الريماوي وأستاذ الجامعة أسامة الميمي، فأنا الصحافي بينهم، ويطلبون مني أن أقول رأيي، في موقف لبشار الأسد أو ياسر عرفات، فأطلب منهم أن يطلبوا شكل إجاباتي، هل يريدونني مع أم ضد، وأنا جاهز لمن يدفع حساب الطاولة، فأجند كل عقلي ولغتي وإيماءاتي ومناطقي الخبيثة والحميمة، وأجيب بكل إيمان أنني هكذا، فنضحك جميعا، وفجأة، يطلب أحدهم مني أقول رأيا آخر مخالفا ومناقضا لموقفي السابق، فأقول بذات التقنيات، ويساعدونني هم بسعادة وبكل جدية في لبس القناع، فنكتشف جميعنا أن اللعبة محترمة علميا، وفككتنا قبل النقاش وأثناءه وبعده من الموقف الأصولي أو المتوقع، وفتحت بابا للمعلومات والمقابلات والمقاربات، وجهزت مساحة ديمقراطية لتبادل المواقف والتناقضات، فأفرح كثيرا ونواصل لعبة السهرات هذه.

وهذا ما يؤكده الصحافيان كوفاتش وروزنستيل في كتابهما "عناصر الصحافة، حول المهنة كمنتدى عام"، وردا على سؤالين وجيهين: ما الذي ينبغي أن يعرفه الصحافيون؟ وما الذي ينبغي أن يتوقعه الجمهور؟ وإجابتي المتواضعة هنا عن تفكيك جمهور الآراء وجمهور الأفراد وجمهور الصحافيين، وإحياء الممارسة الذاتية من الصحافة والجمهور وإطلاق فنون الأداء العملي وابتكار الحياة اليومية التي قالها دو سارتو قبل 35 عاما ولم ينتبه له أحد، لأن نجومية فوكو كانت تبني سلطة معرفية حتى وهي تفكك المعرفة، وهذا ليس عيب الأخير، بل عيب الجمهور ونخب الإنتاج الاجتماعي.

 

اللاتوقع هو الحل.. اللاموقف أيضا

الصحافيون ضد الزواج المبكر، الخيال الاجتماعي عن متزوجة على مقاعد المدرسة أو الكلية مليء بالهواجس، عمالة الأطفال انهيار حضاري وأخلاقي، الرئيس يأخذ فلسطين في المفاوضات إلى الهاوية، ارتفاع مديات صواريخ المقاومة ضامن كبير للانتصار على إسرائيل.. هكذا يعتقد ويكتب الصحافيون، معرفة مسبقة الاستنتاج، وأنا شخصيا في تدريبي للطلاب، أرتكب خطأ فاحشا عبر إطلاقهم إلى ميدان بعنوان متوقع للتقرير الصحافي، أخالف الأكاديميا وسلوكيات الممارسة، ولكني بحاجة إلى هذا الخطأ كي أشعل شغفهم وأقول لهم ستصلون إلى هناك، حيث العنوان المبجل المتفق عليه. لكن في التنفيذ ينفرط كل شيء، وتنتج ممارسة المجتمع نفسها بأشكال جديدة.

مثلاً: ذات مرة، كتبت الطالبة رناد الشرباتي تقريرا صحافيا عن متزوجات على مقاعد الدراسة، متزوجات مبكرا، وقاد سير التقرير أثناء تنفيذه إلى حالات زواج مبكر ناجحة، وإلى طالبات متزوجات وحوامل على مقاعد الدراسة يحصدن علامات شرف. ومرة كتبت الطالبة ريتا أبو غوش بدفع مني تقريرا عن صواريخ المقاومة، وحصلنا من متخصصين على تحليل ذكي يشير إلى أن قصر مديات الصواريخ أو استخدام صواريخ ضد الدروع قد ترهق الإسرائيلي أكثر من صواريخ تصل الخضيرة. 

الأمثلة كثيرة على أن التوقع هو أسوأ حامل لإعادة إنتاج الثيمات في التقارير الصحافية، وهو ما يملأ الصحف اليومية والوكالات والفضائيات بتقارير تقود إلى لا شيء، صحيح أنها مليئة بالمعلومات، ولكنها تبقي عقل الجمهور محايدا وساكنا، لكن الدخول لحقل التقرير الصحافي بروحية اللاتوقع، ستؤدي بالتأكيد إلى إنتاج صحافي اجتماعي أكثر ديمقراطية للاستنتاج، وبسلطة رقم ومعلومة أخف وطأة على العقل، وبفتحة أفق أوسع للجمهور كي يعيد بناء معناه اليومي وابتكار حياته (دو سارتو) حول المعرفة والاستهلاك الآمن والمنتج في الصحافة والاتصال.

 

"غلطات" وإضافات في التجرية

راجعت لغرض سيمنار صحيفة الجامعة، 12 عددا صدرت في العام 2014، ورصدنا هنا مساهمات الطلاب الذين دربتهم على الكتابة حول قضايا اجتماعية وسياسية وتوجهات أخرى، وخصصنا القراءة التحليلية للقوالب التي استخدمها الطلاب، وللحقول التي مشى فيها المتدربون، وهنا النتائج: 

 

من الأخطاء التي ارتكبتها، كما يظهر في التحليل الرقمي، أن التقارير ذات الطابع السياسي تحصد نسبة عالية تصل إلى 23.7%، وهذا يجب تقليله مع الجيل الجديد من الصحافيين، ليس لإلغاء اهتمامهم السياسي، بل لتنويع عالم إنتاجهم في المستقبل، المليء بالأخبار السياسية.

 

التحقيق الاجتماعي

صحيح أنني منذ بدأت العمل على تدريب الطلاب في الحال، وأنا أقول إنني صاحب شاكوش في الصحافة الفلسطينية، ينقر بهدوء لإنتاج تنوعات في الأخبار عبر تحقيقات أو تقارير اجتماعية، إلا أنني غير راضٍ عن الرقم المنتج عام 2014، فنسبة التقرير الاجتماعي تصل إلى 33.4 % فقط، صحيح أنها نسبة أعلى من السياسة وباقي توجهات المواد الخبرية، لكن يجب زيادة هذه النسبة.

وبخصوص الخبر، فإن طبيعة الجريدة كمطبوعة شهرية لا تسمح لي أن أعطي الطلبة مهمة كتابة أخبار فيها. وفيما يخص المقال، فلي رأي في الموضوع: إن تدريب الطلبة على الإنتاج الإخباري بعيدا عن توجهاتهم وآرائهم في أول طريق ممارسة الصحافة، هو المخزون الأهم لحصولهم على فرص عمل ورواتب أولا، وهذا مهم بالنسبة لي، وثانيا: إن التدريب على القوالب الخبرية التي لا رأي فيها يراكم مخزون الطلاب في الرأي، بل يصنع مع السنوات الرأي، وثالثا: أرى أن المقالة الجديدة تأتي بعد سنوات من الخبرة في رأي الآخرين وتأتي ناجحة بعد أن يقرأ الصحافي مليون رأي قبل أن يكتب رأيه. 

 

صحافة الاقتصاد الخاسر

هناك نجاح، إلى حد ما، في الصحافة الاقتصادية، صحيح أن نسبة 8.3% قليلة، ولكنها البداية، وبالإمكان تطويرها في تدريب الطلاب بهدوء، عبر التقارير والقصص والتحقيقات، بمعزل عن المساحات السائدة تغطيتها في الإعلام المحلي، ومواضيع الاقتصاد كثيرة خارج أخبار العلاقات العامة للشركات والبنوك والموازنة العامة. الصحافة الاقتصادية قد نحققها في قصص الفقر والتدبير الأسري والقروض والمديونيات والرواتب والحوافز وأسعار الاستهلاك وجودة المنتج وقصص نجاح رأسماليات صغيرة وعدالات توزيع مضروبة، وفي أسعار السلع الأساسية. التجربة مليئة بمشابك إخبارية قد تجدها في خبر اقتصادي قصير جدا، لو توسعت فيه، فستكتب تقريرا اقتصاديا واجتماعيا له وزن وصلة بالواقع أكثر بعشرات المرات من الخبر. 

 

التربية الإعلامية والرقمية 

نجحنا في مؤشر اشتغلت عليه منذ بداية العام، اسمه الاعتناء بصحافة الصحافيين؛ مستجدات المهنة، والتربية الإعلامية والرقمية، وصحافة التحقق، والإعلانات المضللة، وصحافة المستهلك، وإدارة الهاشتاغ، والقرصنة الإلكترونية، والتربية والتواصل الاجتماعي. هذا المؤشر يظهر في الأرقام بنسبة 10.5%، وبالإمكان تكبير النسبة في المستقبل. وقلت: نجحنا، لأن الإعلام المحلي لا يعتني بهذا التوجه الإخباري، بل يعتني بالانتاجات التقنية، ولكنه لا يدرس ويحلل ويقيس علم اجتماع السلع الإلكترونية. 

أختم ورقتي بدون توصيات، ولكن أذكر أن من حصدوا الجوائز الصحافية في السنوات الأخيرة، اشتغلوا على كتابة الأخبار لسنوات طويلة، ولكن الجائزة جاءت من تقرير اجتماعي أو تحقيق صحافي على السطح لم ينتبه له أحدن أو من قصة تدور أحداثها في أحد الظلال البعيدة عن الأحداث السياسية المركزية. 

ليس عيبا أن نقول إن الإعلام الفلسطيني الذي فرحنا لقيامه بعد السلطة يتحول الآن إلى إعلام مؤسساتي، وليس جماهيريا ولا حتى فرديا، وإن جمهوره استغل ظهور الإعلام الإلكتروني ليدير ظهره للإعلام القائم. ونحن بحاجة إلى موجة قوية من "النقد الأنسني" في الإعلام، على رأي إدوارد سعيد، نقد يعرف مكانه وأنه لا يسعى ليكون بديلا بل في معظم وقته يقدم الاقتراحات لنفسه ولخصومه، لأننا شركاء في النجاح وشركاء في الخسارة بذات المقدار.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018