الأخبار من شبهة الذاتية إلى ذاتية الشبهة.. إعادة إنتاج حصان طروادة

02/10/2015

د. وليد الشرفا 

يمكن القول إن هذه المداخلة ستركز على الأبعاد الرومانسية للمعلومة بالارتباط مع الذات، هذه المعلومة التي ستنزع الذات متلبسة ثوب الموضوعية، وستعود بعد سطوة الوسائط المعلومة نفسها إلى قناع للذات، في المحنة الجديدة التي سينتجها السؤال النقدي: هل هناك نسخة عذراء أو معنى صفري؟ ذلك أن الوسيط حالة من التحلل للذات على حساب الموضوع، وكل ذلك سيضاف إليه عنصران وسائطيان، أحدهما سائل وهو الزمن، والآخر متحجر وهو التحقق، وستتخذ هذه الخارطة المعقدة أبعادها الإعلامية وفق المتتالية التالية: كيف يمكن توزيع أدوات التحقق من المعلومات بالعلاقة مع الزمن؟ وكيف يمكن فصل الذات عن الزمن والتفسيرات الذاتية للسياقات عن المعلومات نفسها، التي ستعود مرة أخرى بالعلاقة مع وسيطين: وسيط داخلي هو التركيب والسياق، ووسيط خارجي هو الآلية والزمن؟ وهل يمكن القول بعد ذلك بوجود أخبار قابلة للتحقق، بعد سيولة الوسيط وانقلاب المعادلة، من شبهة علاقة الذات بالموضوع إلى شبهة الفصل بين الدات والموضوع في فضاء الافتراض الكبير، وهو الوسائط الاجتماعية؟ 

المدخل الأساس لفهمي الذاتي للموضوع تكمن في صعوبة إيجاد معيار ثابت. لذلك، سأتحدث عن ثنائيات يخلقها سياق مختلف تمت استعارته من حصان طروادة، حيث الظهور المبهر يخفي عملية اختفاء مرتبة ومنظمة لهدف نقيض للهدية والاحتفال. ولذلك، لا بد من عودة تنازلية، تبدأ بالمشهد العربي ولا تنتهي عند أدق التفاصيل الفلسطينية.

أولا: العالم العربي يعيش حالة حادة من الاغتراب بين المؤسسات التاريخية ومؤسسات الرأي العام، بمعنى أن هناك حالة من التشوه واللااكتمال في المؤسسات التاريخية؛ الدولة، والبرلمان، والإنتاج الاقتصادي، في حين أن هناك حالة من الترف والتعدد والطوفان في مؤسسات صناعة الرأي العام، بداية من المسجد، وليس انتهاء بالاعلام الاجتماعي والمدونات. 

يعني ذلك أن حالة التواصل حولت القضايا الأساسية التاريخية إلى قضايا خدماتية، ضمن صيغة بنيوية هي الصراع على تمثيل القيم، بداية من الدين، مرورًا بالقيم الأساسية –رأس المال الرمزي– للأمة العربية، وليس انتهاء حول من يمثل قيمة حرية التعبير أصلاً. هذا الصراع يأخذ شكل الأقنعة، أي الاختفاء وراء المعلومة الخبر وسياقه، لتقديم خصم ما للمحاكمة، في صيغة شبه أدبية مفادها: إن السرد لا يكذب، لكنه لا يقول الحقيقة. بمعنى أن هناك أخبارًا تقول عن قمع لحقوق الانسان في مكان ما، ولا يوجد أخبار تقول إنه لا يوجد قمع في المكان الآخر، أو بمعنى آخر: سقط عشرات الضحايا هنا بينهم أطفال، فيما سقط في مكان آخر ضحايا جميعهم أطفال.

ثانيًا: إن مقولة ماكوهان الأساسية في التقنية إن الوسيط هو الرسالة، ما زالت تعمل بقوة في العالم العربي، سواء كان ذلك في العلاقة العربية– العربية أو في العلاقة مع الآخر، ذلك أن التقنية بنت مجتمعها، ولا يمكن استعارتها بشكل آلي دون الوقوع في خطابها الأيدولوجي، لذلك، فإن الوسيط العربي وسيط أيديولوجي يحمل المؤسسة والرغبة، ويخفي نزوعها نحو السيطرة والتمثيل، تمثيل القيم وصناعتها. الرغبة والتمثيل هنا في فهم أعمق لأصل استعارة القرية، هي الصراعات مع البدائية الوحشية على الزاد والماء والسلطة والمكاسب، فمن يملك حتمية المعلومة، يملك حتمية تعريف الواقع.

ثالثًا: إن آليات النقل تعني آليات تشكيل الحقائق الاجتماعية، ومن يمتلك التقنية يمتلك فرص صناعة الحقيقة، ولأن الديمقراطية في العالم العربي، تعني فقط الأغلبية، فإن حالة الانفلات تتشكل إعلاميا وتصبح الديمقراطية شاهدة زور بين الأحزاب والوسائط، بشكل يكشف عن تهتك معنى الحرية لصالح الاصطفاف، وعليه، فإن الخسارة مزدوجة: تضخم في المفردات، وحالة من الهزال في البناء. ولأن النسق القبلي؛ دولا قبلية، وأحزابا قبلية دينية، هي الفواعل؛ فإن النتائج تكون وجود الخلاف، دون وجود ثقافة الاختلاف، وعليه، تصبح التقنية -الحداثية– مستأجرة عند ممارسات رعوية تقليدية ممعنة في عقلية الدوغما، حتى تحولت الوسائط نفسها إلى دوغما: في الأخبار، هناك ضحايا مقدسة، وهناك ضحايا مدنسة، دون أن نعرف الأسماء والهويات والتفاصيل، هنا يصبح السياق هو الخبر مثلاً.

رابعًا: هناك تشكك منهجي في إمكانية أن تخلق الوسائط نسقا مغايرا للنسق التقليدي، بل تصبح خادمة له، فهي تستأجر لخدمة الجماعات الاجتماعية، ومنظومة القمع، فالرقابة على الارض لم تتحول الى حرية على الادوات الافتراضية، بل تحولت إلى نوعين من التنكر، استخدام الأسماء الوهمية والقناع من خلال صفحات الاعلام الاجتماعي، ومن ثم تشكيل مجموعات قيمية معيارية تفرض الحصار والقتل على من يعارضها إلكترونيا، تمهيدًا لفعل ذلك على الأرض، الحرية كانت الوجه الآخر للقمع، من قمع المنع إلى قمع البث، لأن من يبث يملك الواقع، ومن لا يبث يخسر، ضمن ثنائية: ما يحدث وينقل يحدث، وما يحدث ولا ينقل لا يحدث.

خامسًا: إن الإعلام التقليدي يمارس قمع الانتقائية ويحول الأحداث إلى علامات، في حين يعتاش الإعلام الاجتماعي على انتقائية مزدوجة: البث والإخفاء من الحالة التاريخية والبث والإخفاء من الإعلام التقليدي، التلفزيون والفضائيات. وعليه، فإن القمع يحدث بتحويل العلامات إلى مرجع للواقع، ما يعني تأويليًّا، قتله، لأن عملية التحقق تبدو مستحيلة أمام طوفان البث وغرائزيته. وعليه، لا يمكن أن تجتمع الغواية والعقلانية والسرعة والتلقي الناضج، وتعدد الروايات والصور وسرعتها وانعدام مرجع ثابت لها؛ مع الدقة. 

سادسًا: السياق يفرض المعنى، ويتغير كل ذلك عند الحديث عن السياق الفلسطيني، بوجود متغير هو الاحتلال، وعليه تنهار كل الأساطير المحيطة بحرية التعبير، على ذلك، أنا متشائم، مع إيماني بضرورة المحاولة، في تلقي الأدوات الجديدة منعطفًا، لأن الذوات تنسحق أمام البنية.

تبعًا لذلك، فقد أصبح الإعلام الاجتماعي ملاذا للبسطاء والمهمشين والمقموعين والفاسدين أيضا، فحالة الرقابة والمحاصرة التي يتعرض لها هؤلاء يتم إنتاجها بالنقيض، بالاختفاء والانتشار عبر الفضاء الاجتماعي الحالم الذي يستعير شيئا من الفضاء الافتراضي، وهو مجال للتعويض عن منطقة الطرد الاجتماعية؛ العادات، والمحرمات، والمؤسسات الرسمية.

من هنا، فإن هذا الانتشار يعيد إنتاج العلاقات البنيوية نفسها، وهي البطولة والنرجسية عندما يكون الأمر دون مغامرة أو عقاب، والقمع المقنع المختفي على طريقة حصان طروادة من خلال اللجوء إلى الاختفاء والقناع بالأسماء المستعارة، عندما تكون هناك مساءلة ومسؤولية.

لا يعني ذلك مطلقا إنتاج ثقافة الحرية، لأن الحرية الانتقامية قتلت حرية الاختلاف، لأن الحرية المتعلقة بالسلطة والانتقام تقتل حرية الاختلاف، من خلال تحويل الشاشات إلى جغرافيا مقدسة ومدنسة مرة أخرى. 

إن الانتقام كنسق يحكم العلاقة بين الفرد والمؤسسة، يعود مرة أخرى متسللا من الواقع الى الحلم الافتراضي، وهو تسلل ليس دائما إصلاحيا، فالانتقام يأتي ضد العدالة أحيانا، كما يأتي ضد الظلم، لأن المسافة بين المعلومة والادعاء في الإعلام الاجتماعي خاضعة لمغامرة أي جديد. 

في النهاية، إن التواصل الحاد والمزمن في اتجاه واحد يدفع الى التوحد، وكيف يمكن معالجة أمراض التوحد بالنص القانوني، الذي يبدأ غالبا، بخطيئة أو جريمة كبرى! 

عودة إلى المؤسسات التاريخية التي تشبه جدار حصان طروادة، إنها ما زالت تتحكم بالأحلام وتقود عملية الاختفاء والانتقام، لذلك لم ينجح النموذج الفلسطيني في الحراك الشبابي بإنهاء الانقسام، لأن ذلك كان يعني التنازل عن المؤسسة التاريخية التي يعني التمسك بها عند كثيرين جهادا مقدسا، او كثيرون يهربون عندما يحين خلع الاقنعة. 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018