إعلام مريض لشعوب مريضة

02/10/2015

عارف حجاوي

وقعت هذه الحادثة قبل مئة وخمسين سنة: بعثت الجريدة اللندنية مراسلها إلى ليفربول لتسقط الأخبار من ركاب السفن القادمة من العالم الجديد. رست سفينة قادمة من كندا، وبدأ الركاب ينزلون ويتجهون إلى عربات الخيل. واختلط جمع من المراسلين بهم. وحادثوهم واستخبروا منهم. وفي المساء، جلس المراسلون في حانة تعودوا الجلوس فيها، وانهمك كل واحد في كتابة خبر أو ريبورتاج لجريدته. وأما صاحبنا المراسل، فقعد محزوناً لأنه لم يعثر على شيء يستحق الذكر. غير أنه في النهاية أمسك بقلمه وأخذ يكتب قصة من خياله. 

قصة السيدة آدمز التي "زعم" أنه التقى بها على رصيف الميناء بصحبة زوجها. لقد عملت هذه السيدة في تنظيف البيوت في ليفربول زمناً، وزوجها في كندا يسعى في رزقه. وبعد أن انقطعت عنها رسائله، أبحرت بنفسها إلى كندا وبحثت عنه أشهراً، حتى وجدته ملقى على الرصيف مشرداً، فانطلقت به إلى حياة جديدة وأخذا يعملان بجد حتى جمعا ثروة كبيرة. وها هي السيدة آدمز تعود مع زوجها اليوم إلى الوطن، إلى ليفربول، للزيارة. وسوف يرجعان إلى كندا بعد أسبوعين على متن الباخرة إكس. 

هذا الريبورتاج المختلق أعجب رئيس التحرير فنشره على الصفحة الأولى. وسر المراسل بذلك. 

قال له رئيس التحرير: لقد أبرقت إلى مراسلنا في كندا أن ينتظر عودة السفينة ليجري مقابلة مع الزوجين ويسألهما عن الفترة التي قضياها في ليفربول. وأُسقط في يد المراسل الكذاب. وانتظر المصيبة يوماً بعد يوم. 

وذات صباح، إذا بالصحيفة تنشر تحقيقاً مطولاً بقلم مراسلها في كندا، وفيه مقابلة شائقة مع الزوجين آدمز. 

وهكذا، كذب المراسل في إنجلترا فاخترع الزوجين آدمز، وكذب المراسل في كندا عندما لم يعثر على الزوجين آدمز فاخترعهما مرة أخرى. 

ونحن نتمنى أن يكون في صحافتنا كذب. لأنه أهون بكثير من هذه الأخبار المملة التي تنشرها. صحافتنا لم تستطع أن تصبح صحافة صفراء تنشر الأكاذيب والتهاويل والمبالغات، ولم تستطع أن تصبح صحافة رصينة تنشر عميق التحليلات. وبقيت في أحسن حالاتها ناقلة ببغائية عن الوكالات. وفي أسوأ حالاتها ناشرة مقالات كأنها أُنشرت من قبور الخمسينيات. وفيما بين الأسوأ والأحسن، قد يتسلل خبر محلي ليس فيه رائحة الخبر. 

وجاء الفيسبوك، فعوضنا خير تعويض عن كل ما افتقدنا إليه من التفاهة. وصار المتعلم قبل الجاهل يقول لك أشياء عجيبة، فإن شككت في كلامه قال: والله جاءني على الفيسبوك. 

محتمل أن تعيش الصحافة الورقية بضعة عقود أخرى، ليس فقط بعد موتنا نحن من تعودنا على الإمساك بالجريدة، ولكن لأن تجار الورق وزراع الغابات سيخترعون أشياء تديم الجريدة بعض الدوام، وثمة سبب آخر هو عجز الأجهزة الحديثة – حتى الآن - عن مخاطبة القصور التجريدي عند الإنسان. فهذا الكائن ما زال يريد أن يمسك الأشياء بيده. 

ولكن الصحافة الورقية ليست وعاء توعية للناس. إن ماتت غداً فلن نذرف عليها دمعة. وفيها علة أخرى غير علة النقل الببغائي عن الوكالات، وعلة نشر المقالات السطحية: علة الثرثرة والعدول عما هو لباب إلى ما هو قشور. حسبك هاجياً لصحفنا أن طلبة يكتبون جريدة هي في ميزان الصحافة أرجح من كل ما صنعوا فكأنها عصا موسى، جريدة أريد لها أن تكون النموذج فكانته، وقصر عن مداها أهل الصحافة.

صحف العالم حلقت في سماء الحرية، وسقطت في مستنقع التفاهة، وفيما بينهما كانت غيوماً هطلت على أهلها بخير عميم من النقد والوعي، وصحفنا في بلاد العرب إذا خرجت من عباءة السلطان أحست البرد فتقفعت أصابعها فلا تعتم أن تلتمس فرجة في هذه العباءة كي تدخل من جديد وتستدفئ. 

صحف خير ما فيها إعلاناتها، ما قولك فيها؟ 

ولئن تكن الإعلانات خير ما في تلك الصحف، فإنها شر مستطير عندما يصبح المعلن متحكماً؛ يرسل إلى الجريدة الإعلان وثمنه، ومعهما إعلان آخر يريدك أن تطبعه وكأنه خبر. 

يقولون: الإعلام في بلدنا مريض. ونقول: البلد مريضة. 

بقي في الجعبة سهمان: واحد نصوبه إلى الحكومة، وواحد إلى الشعب. 

إلى الحكومة: الصحافة حرية أولاً، وصناعة ثانياً. هل نستطيع أن ننشر الأحكام القضائية الصادرة بحق الفاسدين؟ الجواب: وهل هناك أصلاً أحكام قضائية بحقهم! هناك ضبضبة فقط. وهل الإعلام الحكومي ناجح؟ وإذا لم يكن ناجحاً فلماذا يستمر؟ هل هو ناجح أصلاً في الترويج للحكومات؟ هو فاشل حتى في الترويج، هو أضحوكة. والإعلام الخاص: هل يمكن أن يستقيم بدون حرية؟ الجواب: لا. 

وإلى الشعب: أيها الشعب العزيز، الزيادة في عدد السكان في الدنمارك ثلث بالمئة. والزيادة في عدد السكان في الأردن أكثر من ثلاثة بالمئة. بالعربي الفصيح، الأردنيون أكثر تزايداً من الدنماركيين بعشرة أضعاف. نحن نتزايد بعشرة أضعاف وتيرة تزايدهم. فهل ثرواتنا تتزايد بنفس النسبة؟ هل صناعتنا وزراعتنا تنمو سنوياً بعشرة أضعاف نمو الصناعة والزراعة في أوروبا؟ أم أننا نستورد اللورباك والفيات والعطور والسجائر وكل شيء منهم؟ 

هذه الشعوب البارعة في الإنجاب بارعة أيضاً في الشكوى وفي شتم الاستعمار. الفائض البشري عندنا يطحن بعضه بعضاً؛ ولا أحد يجرؤ على القول: خذوا حبوب منع الزفت المغلي. 

أضحكني شخص عربي يعيش في ألمانيا. قال لي: يذهب الواحد منهم بلحيته الكثة كي يقبض مخصصات الأطفال من مكتب البريد، فعنده ثمانية أطفال، ثم إذا سجل عليه الشرطي مخالفة سير، راح يشتم الصليبيين.

نفكر بطريقة عجيبة. نخلط الماضي بالحاضر خلطاً مضحكاً. ولعلمك، فالأحقاد بين الإنجليز والفرنسيين قديمة، وليس بين الشعبين محبة حتى اليوم. لكنهم لا يستحضرون التاريخ في كل لحظة، بل يعيشون ويتعاونون. وهل الغرب يحبنا؟ بالطبع لا. ونحن لا نحبه. والغرب سبب قليل من مشاكلنا، ونحن سبب قليل من مشاكله. ولكن مشاكلنا العويصة حقاً هي من صنع أيدينا. والحل عندنا وليس عنده. وبالتأكيد الحل لا يكون بالأحزمة الناسفة. 

العداوة بين الصين واليابان ليس ابنة اليوم، وهي مستمرة على نار باردة. ولكن كلاً من البلدين يطور نفسه ولا يسترجع التاريخ العتيق في كل لحظة. 

وللصين مع الاستعمار الأوروبي قصة أفظع من قصتنا معه. يكفي أن بريطانيا شنت حربين على الصين لأن الصين منعت استيراد الأفيون. 

للشعب العربي أقول: المشكلة ليست في الإعلام، المشكلة فيك. 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018