"الكتابات الرديئة".. ممنوع السكوت عليها

01/21/2015

خبر، مقال، تقرير، قصة صحافية، تحقيق.. جميعها أشكال يستخدمها الإعلام ليسلط الضوء على قضية أو ظاهرة أو حدث، لكن من منا فكر في أن يسلط الضوء على جودة المواد الصحافية وقدرتها على الحضور بقالب مهني محدد، بمعايير جودة عالية، خاصة ان كثيرين ينتقدون جزءا كبيرا من إنتاجات الصحافيين، وتحديدا في كتابات الرأي أو في القوالب الإخبارية التي تكون الجودة العالية مطلوبة فيها.

هناك ما يمكن تسميتها، إن صح التعبير، "الكتابات الرديئة"، وهي منتشرة في الإعلام المحلي، مثل أي إعلام في العالم، لكن بعض التجارب العالمية أصدرت توجهات تنظيمية او أصدرت مطبوعات خاصة بنقد الإعلام حتى لا يظهر ركيكا أمام الجمهور.

ولا يمكننا تصنيف الكتابات الرديئة او تعريفها او وضعها في قالب معين، لكن أسبابها تتعدد والنتيجة واحدة "كتابة رديئة غير مفهومة". "الحال" هنا تحاور عددا من المهنيين لتسألهم عن كيفية تجويد المواد الصحافية وتخليصها من الغث لصالح إنتاج صحافي فاعل ومؤثر ولا غبار عليه.

 

ضبابات: الفكرة أهم من اللغة

كثيرا ما نقرأ مواد صحافية بلغة غاية في الكماليات، لكن بدون مضمون، وعن ذلك يقول الصحافي جميل ضبابات: الصحافة هي حق الجمهور في المعرفة، فإذا كان بناء الكتابة جيدا يكون الصحفي قد أسس فعليا للقارئ الحق في الوصول الى المعلومة، ومن الطبيعي ان تختلف تقنيات الصحافي وأدواته عند الكتابة، لكن هناك أسس وقواعد عامة يجب ان يلتزم بها كسلامة اللغة، والابتعاد عن الفوضى اللغوية التي تؤدي في نهاية المطاف الى تشويش عقل القارئ.

ويضيف ضبابات: "لغة بدون أفكار مثل الشعر بدون صورة وبلاغة، لا شك في ان اللغة مهمة وأساسية في المادة الصحافية، لكن الأهم أن يحتوي المضمون على فكرة ورسالة واضحة المعالم، فالاعتماد عليها لا يكفي، وهنا وقعت الصحافة العربية وتحديدا المحلية في هذا الفخ، بسبب إتاحة المجال لكل الأطياف في الدخول لمعترك الكتابة، وبالتالي فإننا نرى الكلام الجميل دون المعلومة، كالبيت الجميل دون أساسات". 

 

ماذا لو كان العمق الفكري غير مقروء؟ 

وأحيانًا نقرأ مقالات في غاية التعقيد والحفر اللغوي في المفاهيم والمصطلحات، دون مراعاة للجمهور العادي الذي يريد الجديد لكن بلغة مفهومة. وعن هذا النوع من الكتابات يقول الروائي والصحافي أسامة العيسة: "ابتعاد الكاتب عن المصطلحات المعقدة واستعراض مهاراته اللغوية والمعرفية أساس رشاقة المادة الصحافية، وتحديدا المقال، فالتحدي القائم أمام الصحافي هو صياغة الفكرة العميقة بطريقة بسيطة وسلسة ليفهمها جميع أفراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية، لكننا للأسف لا نجد هذا في الكثير من مقالات اليوم، فنحن نقرأ اليوم المقالات التي تحتوي على الكثير من التعقيد والمط والتطويل. 

ويضيف العيسة: برأيي، العمق ليس ملازما للتعقيد. وكما يقال الإنسان هو الأسلوب. فعلى الكاتب الصحافي أن يبرز شخصيته وأسلوبه في المقال، وأي كاتب لا يفهم القراء كتاباته هو كاتب فاشل، فمن حق القارئ الذي يشتري الصحيفة أن يفهم ما يكتب بها.

 

الكتابة الجذرية أو الصادمة

وقد نصادف فيما نقرأ مقالات غاية في الفئوية والانغلاق على رأي سياسي واحد، لا يعترف بالآخر وتوجهاته، وهذا النوع منتشر فلسطينيا بسبب الانتماءات السياسية، وكثيرا ما شكلت هذه المقالات فئويات وانغلاقات جديدة في الإنتاج الصحافي الذي يفترض أنه أكبر إنتاج حواري وليس تشددات فكرية جامدة. 

وعن هذا النوع من الكتابات، قالت الصحافية الشابة رحمة حجة: اعتبر مقال الرأي رديئًا إن لم يحترم الكاتب في طرحه الآراء المخالفة، أو يبدأ بشكل هجومي على من لا يتفق معه، دون أن يهتم بدعم فكرته بشكل منطقي، أو يستخدم ألفاظًا نابية يذم فيها شخصًا أو مؤسسة أو.. إلخ، أو دون توضيح النقاط المختلف عليها، فهذا يجعل موقف كاتب المقال ضعيفًا.

وتضيف حجة: هناك من يكتب مقالا كاملا ضد ظاهرة أو شخص، دون توضيح وبيان الأسباب أو الإتيان بدليل على ما يثبت فكرته، وهذا الشيء لا ينضوي تحت مسمى المقال، إنما يتعدّاه إلى "القدح والذم والتشهير"، وهو الشيء الذي يعاقب عليه القانون، وهناك مقالات معارضة تعد بمثابة تحقيقات صحافية وتغيّر سياسات أو تطيح بمسؤولين إذا ما كتبت بطريقة صحيحة وتمت مراعاة ما ذُكر، وعكسها لا تخرج من دائرة "الردح" الإعلامي واستعراض العضلات". 

 

غياب المعايير المهنية

وكثيرا ما نجد صحافيين يكتبون رأيهم دون التزام بمعايير المهنة وأخلاقياتها، وهذا يضرب أساس سلامة العمل الصحافي على أنه للجمهور وليس للصحافي، وعن ذلك تقول مديرة مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت نبال ثوابتة: أعتبر الكتابة رديئة إذا لم تتوافق مع المعايير المهنية، وأهمها التوازن في المادة الإعلامية، والاهتمام بطرح كافة وجهات النظر، والبعد عن الحشو والثرثرة، وكذلك عن المقدمات الفضفاضة، والأهم من ذلك كله التركيز على المعلومة.

وتضيف ثوابتة: أشهر الصحافيين الذين تركوا بصمة في عالم الصحافة هم من تسللوا وراقبوا واحتالوا على المعايير المهنية، لكنهم في نهاية المطاف تعرضوا للمساءلة القانونية لعدم التزامهم بأخلاقيات المهنة، ولكن هنا في فلسطين يجب أن ندرك أن التمسك بالأخلاقيات المهنية يحمي الصحافي نفسه وإنتاجه من الكتابات أو الأعمال من الجمهور ومن المؤسسة، ويؤدي إلى إنتاج صحافي آمن.

في ختام هذا التناول السريع لجودة ومهنية الإعلام، نؤكد أن الصحافة ليست فوق النقد، وأننا كقطاع مهني يجب أن نبحث عن مواطن ضعفنا كي نؤدي دورنا المناط بنا على أكمل وجه أمام جمهور ينتظرنا وينتظر إنتاجنا. 

 

فداء رويضي

 طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018