الجنائية الدولية.. بعبع السلطة في وجه إسرائيل

01/21/2015

في اجتماع القيادة الفلسطينية (31 كانون الأول 2014) سأل الرئيس محمود عباس: "هل أنتم جاهزون للتبعات المترتبة على الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية؟". أجاب "الجميع": "نعم".

وهكذا بدأت "المعركة"، بعد فشل مسعى منظمة التحرير الفلسطينية في 30 كانون الأول 2014، في كسب الموافقة على مشروع قرار فلسطيني- عربي يهدف إلى تحديد جدول زمني (يمتد حتى تشرين الثاني 2016) لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، حيث لم يصل تصويت الدول لصالح المشروع في مجلس الأمن نسبة الحسم، وإن وصل، كان "الفيتو" الأميركي بالمرصاد.

شنت إسرائيل هجومًا مضادًا، بدأته بتجميد تحويل نحو 127 مليون دولار من عائدات الضرائب التي تجبيها لحساب السلطة الفلسطينية، ما يمثل نحو نصف الموازنة الفلسطينية، الأمر الذي عارضته الولايات المتحدة لأنه "يؤجج التوترات"، كما عارضه الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين لأنه "لا يمكن أن يكون مفيدًا لإسرائيل أو للفلسطينيين"، مضيفًا أن "العقوبات التي تفرض على السلطة الفلسطينية يجب أن تكون متفقة مع المصالح الإسرائيلية وتجميد الضرائب ليس كذلك"، وفق ما نشرت صحيفة الحياة اللندنية.

وهذا الفعل الإسرائيلي ليس الأول من نوعه، حيث استخدمته عام 2012، حين نال الفلسطينيون صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، وفي نيسان 2014، إثر إعلان المصالحة بين حركتي فتح وحماس.

 

مم تخاف إسرائيل؟

لكن، مم تخاف إسرائيل حتى تهاجم المساعي الفلسطينية دوليًا؟ يقول رئيس وحدة المشهد الإسرائيلي في مركز مدار للدراسات الإسرائيليّة أنطوان شلحت، لـ "الحال"، إن انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية "يفتح المجال أمام تقديم دعاوى ضد إسرائيل على خلفية الحروب والعمليات العسكرية التي قامت بها ضد الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهذه المحكمة طبعًا تحاسب السياسيين في العالم على ما يُسمّى ارتكاب جرائم حرب، خاصة مع وجود تقارير رسمية عدة صادرة عن منظمات دولية تدين ممارساتها بحق الفلسطينيين باعتبارها جرائم حرب، وهذا الأمر من شأنه أن يمثل ملاحقة مستمرة لقادة إسرائيل السياسيين والعسكريين ويضيق الخناق عليهم أكثر ويضيّق الخناق على سياستهم أيضًا".

كما أن الانضمام إلى المنظمات الدولية –الأمر الذي سيتم لاحقًا وفق إعلان الرئيس عباس- يمثل اعتراف العالم بأن فلسطين دولة ذات حقوق وسيادة، وهو ما ترفضه إسرائيل، رغم أنها تدّعي تأييدها لإقامة دولة فلسطينية من خلال المفاوضات، التي أفشلتها، حسبما أوضح شلحت.

 

هل السلطة جاهزة؟

إذًا، إسرائيل فتحت النار، والسلطة الفلسطينية أعلنت جاهزيتها، فهل هي جاهزة فعلا؟ أم أن التصريحات التي تخرج منها لا تتعدى كونها "هاشتاغات" للتأثير على الرأي العام داخليًا ودوليًا؟ كذلك الذي أطلقه عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، بتحميل إسرائيل مسؤولياتها كدولة احتلال، الذي فسره بعض المراقبين بــ "تهديد بحل السلطة".

ردًا على هذه التساؤلات، يقول عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد اشتية لـ "الحال"، إن "الشعب الفلسطيني مستعد، فلا يمكن أن يستمر هذا الاحتلال (ديلوكس)، ولكل شيء ثمن"، مؤكدًا أن "الشعب الفلسطيني يحتاج حرية وكرامة بإنهاء الاحتلال، بالتالي علينا أن نكون جاهزين لدفع الثمن كسلطة وشعب وموظفين".

وأوضح اشتية: "إذا اقتضى الأمر، سنعيد صياغة العلاقة مع إسرائيل من الألف إلى الياء". 

وعن هذه العلاقة، قال اشتية، إن لها ثلاثة جوانب: سياسي، وهو مغلق، واقتصادي، يسير باتجاه واحد، حيث تصدر إسرائيل لنا 4.1 مليار دولار من بضائع وخدمات وتسمح بتصديرنا لها بقيمة 350 مليون دولار فقط لا غير، وأخيرًا الأمني، وهو قيد المراجعة على طاولة القيادة الفلسطينية.

 

الشعب سيدفع الثمن

من جانبها، ترى النائب في المجلس التشريعي عن كتلة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة حماس، سميرة حلايقة، أن السلطة "غير مستعدة لمواجهة التصعيد الإسرائيلي ولا تملك حق الرد أساسًا"، مردفة: "السلطة اتخذت الخطوة وتعرف الإجابات مسبقًا والدول التي تدعم إسرائيل هي أكثر من التي تدعم السلطة. بالتالي، فالشعب هو من سيدفع ثمن التصعيد".

وقالت حلايقة لـ "الحال" إن "على السلطة ألا تترك خياراتها محدودة بوقف التنسيق الأمني أو التوجه للمحكمة الجنائية الدولية أو وقف المفاوضات، ويجب أن تتركها مفتوحة للشعب".

 

حل السلطة

بينما قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض، لــ "الحال" إن "صمود السلطة الفلسطينية أمام أي هجمة إسرائيلية اقتصادية أو أمنية أو سياسية مرتبط بالالتفاف الشعبي وإصرار منظمة التحرير على موقفها، وتفعيل شبكة أمان عربية"، معولًا على الشعب الفلسطيني بإحداث تغيير في حياته الاجتماعية عبر برامج الاقتصاد المنزلي والتكافل، غير مستبعد أن تقدم السلطة على حلّ نفسها بالتأكيد على أن "الشعب قادر على إنجاب ألف سلطة تكون بيد الشعب لا إسرائيل" وفق تعبيره.

في السياق ذاته، قالت الأمينة العامة لحزب فدا، زهيرة كمال لـ "الحال": "نحن كشعب يجب ألا نخاف التصعيد، وعلى إسرائيل والمجتمع الدولي تحمل مسؤوليتهما تجاه النتائج المحتملة".

واستبعدت خيار "حل السلطة"، معتبرة أن السلطة "إنجاز للشعب الفلسطيني ونضالاته، وإسرائيل تعمل على تقويضها"، وعن وقف التنسيق الأمني الذي لوّح به بعض القيادات وطالبت به أخرى، قالت كمال إن "السلطة توقفه إذا أرادت".

وفي ما يتعلق بتجميد عائدات الضرائب، قال اشتية إن هذه الخطوة "مؤقتة"، مضيفًا: "جربنا هذا في الماضي وهو عقوبة جماعية لن تستمر إسرائيل فيها طويلًا. هي تحاول الدفاع عن نفسها بهجمة ونحن جاهزون، ومن جهة ثانية، لإسرائيل مصلحة باستمرار السلطة بشكلها الحالي (سلطة بلا سلطة)؛ حيث تجري تحت مظلتها مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، بالتالي لا يعنيها هدم السلطة".

وإذ ينعكس تجميد عائدات الضرائب على رواتب موظفي السلطة، فتتأخر عن موعدها، ترى حلايقة أن "الشعب يتفهم ذلك، لكن السلطة تلجأ عادة إلى الحديث عن تجميد الأموال في الأوقات الحرجة، حيث تستخدمه كورقة لرفع العتب عنها أو تمرير قرار سياسي في الضفة أو غزة، للتهرب من مسؤولياتها".

وحول إجراءات أخرى يمكن لإسرائيل اتخاذها في هجومها المضاد، يقول شلحت: "إسرائيل تتحدث عن إجراءات أخرى، منها الضغط على بعض دول العالم التي تقدم مساعدات للسلطة الفلسطينية لوقف مساعداتها. إسرائيل لا تعلن أنها ستمارس عقوبات في المجال العسكري لكن هناك توقعات بأن تقوم بحملة ملاحقات أو مطاردة المطلوبين لديها من أجل خرق سيادة السلطة الفلسطينية، لا أدري إلى أين يمكن أن تتطور الأمور، لكن إسرائيل مؤهلة لأن تمارس أبشع شيء ضد الفلسطينيين خصوصا أنها الآن في مرحلة انتخابات عامة، وفي كل انتخابات يكون منسوب السياسة المنتهجة ضد الفلسطينيين والمزايدة بين الأحزاب من هو أكثر تطرفًا تجاه الفلسطينيين، مرتفعا".

وأكد اشتية أن "إسرائيل دولة عدو نتوقع منها كل شيء، والسؤال هو مدى جاهزيتنا. نتوقع منها أي شيء وكل شيء، نحن جاهزون لدفع الثمن من أجل إنهاء هذا الاحتلال".

 

رحمة حجة

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018