أزمة الكهرباء تطفئ حياة المواطنين في غزة

01/21/2015

تتكدس علامات الاستفهام فوق بعضها في نفوس الغزيين التي ضافت بفعل استمرار أزمة الكهرباء منذ 8 أعوام، في وقت تزهق فيه مزيد من الأرواح التي لجأت إلى طرق أولية بحثا عن دفء ونور مفقودين.

في أحشاء مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، اندلع مؤخرا حريق في منزل عائلة المواطن محمد خالد الهبيل (45 عاما)؛ حريق لم ينخمد إلا بعد أن التهم بألسنته براءة طفلين قرس البرد جسديهما الناعمين.

خالد لن يخلد بعد اليوم إلى نومه، وكذلك عمرو الذي فقد عمره، والسبب تلك الأزمة القاسية التي نصبت أوتاد خيمتها فوق قطاع غزة، وتأبى أن ترحل دون أخذ مزيد من الأوراح في طريقها.

حكاية خالد وعمرو ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة في ظل استمرار أزمة الكهرباء التي تصاعدت وتيرتها عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في يوليو وأغسطس الماضيين، وازدادت خلال الأيام الماضية.

تفاصيل القصة بدأت مع انقطاع الكهرباء عن المخيم، عندما كان الطفلان نائمين. فجأة صرخ الأب مستنجدًا بزوجته وجيرانه لمحاولة السيطرة على الحريق الذي شب فجأة في منزله.

خالد الهبيل أحد أقارب الفقيدين والشاهد على تفاصيل الحادثة يسرد لـ "الحال" القصة: "اشتعلت النار وسمعنا صوت الأب ينادي، فتوجهنا إلى مكان الحريق وحاولنا إخماده. دخلنا الغرفة التي كانت تؤوي الطفلين".

ويقول الهبيل إنه لم يتمكن ومن معه من اختراق ألسنة النار وأعمدة الدخان التي سيطرت على المكان، وكانت مهمة الوصول إلى الطفلين وإنقاذهما شبه مستحيلة، بسبب تأخر وصول طواقم الدفاع المدني والاسعاف. 

ويتابع: "ببعض الأغطية وخراطيم الماء البسيطة استطعنا التقليل من حجم النار، ولكن ذلك لم يمكننا من الوصول إلى الطفلين اللذين دفعتهما براءتهما إلى الاحتماء داخل خزانة الملابس ظنا منهما أنها ستحميهما من الموت".

بعد السيطرة على الحريق بالكامل دخل المنجدون المنزل الذي أصبحت محتوياته كومة رماد، فوجدوا الأب مستلقيا على الأرض وبالكاد يلتقط أنفاسه بعد أن ملأ الدخان رئتيه، والطفلين داخل خزانة ملابسهما وقد فارقا الحياة.

المتحدث باسم وزارة الصحة أشرف القدرة أكد عقب الحادث وفاة الطفل عمرو محمد الهبيل (3 سنوات)، وشقيقه الطفل خالد محمد الهبيل (4 سنوات)، وإصابة والدهما (45 عاماً) باختناق، نتيجة حريق شب في منزلهم.

قصة الطفلين أثارت المزيد من ردود الفعل الغاضبة في الشارع الغزي الذي بدأ يفقتد لكل مقومات الحياة بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي المطبق منذ أكثر من 8 أعوام، وديمومة أزمة الكهرباء التي لم تجد لها حلاً بعد.

وبوفاة الطفلين ترتفع حصيلة الوفيات بسبب احتراق مولد كهربائي أو شموع نتيجة أزمة الكهرباء إلى نحو 117 مواطنًا وإصابة عدد آخر، في الفترة ما بين عامي 2007 و2014.

عام 2012 يعد الأقسى على صعيد حوادث الوفاة بسبب الشموع، فقد بلغت عدد الحرائق خلال العام 31 حريقا في محافظات غزة، أدت إلى وفاة خمسة أطفال وخلفت عددا ليس قليلا من الإصابات بينها حالات خطيرة.

وتعد حادثتا عائلة البغدادي وبشير من أفظع الحوادث التي خلفتها حرائق الشموع عام 2012، وأودت بحياة خمسة أطفال هم: صبري وندين وفرح رائد بشير من منطقة دير البلح، والطفلان فتحي وتالا عبد الفتاح البغدادي من منطقة البريج بالمحافظة الوسطى.

وشهد عام 2013 حادثة هي الأبشع منذ بدء أزمة الكهرباء، بعد وفاة عائلة بأكلمها إثر حريق اندلع في منزل عائلة ضهير ما أدى إلى ارتقاء 6 أفراد هم: حازم محمود ضهير 32 عاماً، وزوجته سمر 30 عاماً، وأطفاله الأربعة، محمود 6 أعوام، نبيل 5 أعوام، فرح 4 أعوام، قمر 4 أشهر في حي الشجاعية.

وأرغم العجز الكبير في كمية المحروقات التي تدخل غزة نتيجة لاستمرار الحصار المواطنين على استخدام الشموع بديلا عن الكهرباء، الأمر الذي أوقع عددا من الحرائق راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين غالبيتهم أطفال.

وتعلقت آمال الغزيين في إنهاء أزمة الكهرباء على الاتفاق الذي تمخض عن مجموعة اللقاءات التي أعقبت الحرب على غزة، لكنها خابت بسبب عدم الوفاء بالوعود وشح كميات الوقود المخصصة لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة.

وبدأت أزمة الكهرباء في غزة بعدما قصفت الطائرات الاسرائيلية محطة الكهرباء في صيف 2006 عقب عملية أسر الجندي جلعاد شاليط، وبقيت هذه الأزمة بمثابة اللعنة التي تطارد الفلسطينيين في غزة بكل تفاصيل حياتهم.

وتعمل شركة توزيع الكهرباء بنظام 8 ساعات وصل ومثلها قطع، إلا أنها اضطرت إلى العمل بجدول 6 ساعات وصل وأقل بسبب نفاد الوقود خلال الأسبوعين الماضيين، وعلى الرغم من دخول المنحة القطرية إلا أنها أصرت على العمل بنفس الجدول تحسبًا لأي طارئ.

وتبقى مخاوف الغزيين تتزايد من أن تطول قائمة الوفيات في ظل استمرار الأزمة وعدم وجود حلول تلوح في الأفق، والسؤال: على من سيكون الدور بعد عمرو وخالد؟!

 

أحمد طلبة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018