التحرش والاعتداءات الجنسية: هل تكيّفنا مع جرائم لا نجد لها قانوناً ولا حلاًّ؟

01/20/2015

هذا ليس آخر التقارير الذي يضم قصصا عن مآسي التحرش والاعتداءات على النساء، فمنذ سنوات تكتب القصص في وسائل الاعلام وتنعقد المؤتمرات وورش العمل وتسمع التصريحات المستنكرة والساخطة، لكن لا جديد على الارض يوقف حالات التحرش بفتياتنا في الشوارع والمنازل واماكن العمل، لسبب عميق قاله مختصون لـ "الحال" في هذا التقرير، هو غياب قانون يتم من خلاله اثبات وتكييف جرائم التحرش في الاراضي الفلسطينية، وبالتالي ملاحقة الفاعلين وايقاع العقوبات بحقهم.

"الحال" التقت فتيات تعرضن للتحرش وقابلت مرشدات اجتماعيات ورجل قانون لمعرفة تطورات هذا السلوك المجرم تجاه فتياتنا.

روت لنا (ر) التي رفضت الافصاح عن اسمها خوفا من الوصمة الاجتماعية، قصة الاعتداء عليها جسديا من قبل شابين وهروبهما دون تلقيهما العقاب الرادع، ولجوءها الى طبيب نفساني لتخطي الحالة النفسية التي تدفعها في مرات كثيرة لمحاولة الانتحار جراء حالة الاكتئاب التي مرت بها لفترات طويلة. وتقول (ر) انه ليس بإمكانها ان تستمر بحياتها كأي فتاة، فنظرة المجتمع لها بأنها مغتصبة تضعها في مكان اجتماعي مرفوض وملعون ومعزول.

المؤلم كما تقول (ر)، التي تبلغ من العمر (18 عاما)، ما حدث معها بعد الاعتداء عليها، مؤكدة ان بعض المرضى نفسيا ينظرون لها بنوع من الاستغلال ويعرضونها لتحرشات جديدة تعطل وتعطب نفسيتها بعد الجريمة الاولى.

 

زواج مبكر لتلافي التحرش

قابلت "الحال" الفتاة (ه) (19 عاما) التي تزوجت بشكل مبكر بعد تعرضها للتحرش الجنسي المستمر من ابن عمها، فكان الحل الانسب من قبل عائلتها ان تتزوج، للهروب منه لعدم مقدرتها عن الافصاح عما يجري معها لاهلها.

ونصحت (ه) كل فتاة تتعرض للتحرش من أقاربها بالبوح لعائلتها وعدم الخوف على مشاعرهم كما حدث معها، وقالت: "يا ريت أي بنت بتتعرض للتحرش تحكي وما تسكت وتخلي القانون يحاسبه.. يا ريت لو انا هيك عملت كان ما خسرت حالي وظلمت هالبنت الصغيرة معي"، وهي تقصد طفلتها التي أنجبتها من زواجها قبل أن تنفصل عن زوجها.

 

دحيدل: تزويج الضحايا ليس حلا

وأوضحت المرشدة النفسية في جامعة بيرزيت الدكتورة آمال دحيدل ان قضية التحرش هي الاخطر في مجتمعنا الفلسطيني وانه يجب تثقيف الشباب وتوعيتهم للحد من انتشار تلك الظاهرة، وعقد ورش عمل خاصة ودورات ارشادية تبين خطورة تلك القضية.

وأضافت دحيدل ان من الاخطاء التي يقع بها الاهل تزويج ابنتهم من المتحرش بها، لاعتقادهم بأنه الحل الانسب لتجنب الفضائح، فتتعرض الفتاة للظلم من قبل الاهل، لان حدث التحرش سلب منها ذاتها فلا يمكنها الاستمرار والعيش مع المجرم تحت سقف واحد، وتتفاقم المشكلة بشكل أكبر إن كانت الفتاة قاصرا فتعيش جريمة جديدة عبر تزويجها وهي طفلة وتعيش محرومة من كافة حقوقها التعليمية والنفسية والاجتماعية.

 

غياب الأسرة والقانون والتعليم يعزز التحرش

وبينت الباحثة الاجتماعية صابرين أبو لبن ان السبب وراء لجوء بعض الشبان الى التحرش الجنسي هو عدم تمكنهم من بناء علاقة حميمة وقدرتهم على الزواج بشكل اساسي لأسباب اقتصادية او نفسية، وانحصار تفكيره بالأمور الجنسية التي تجعل منه شخصا لديه مبررات لهذا التحرش، كما ويعد الجهل والبيئة المحيطة السيئة اجواء تشجعهم على اتباع هذا السلوك، وغياب القانون والتساهل في العقوبات المفروضة على المتحرشين تساهم في عدم الحد من الظاهرة.

وأضافت أبو لبن ان التفكك الاسري لضعف الحوار بين الاهل والأبناء وعدم مراقبتهم ومحاسبتهم يعزز التحرش لديهم، ومشاهدتهم للأفلام الإباحية بشكل مستمر لها علاقة وطيدة بهذا السلوك اللاأخلاقي، وفي زيادة العنف في سلوك التحرش لدى الشبان.

وركزت على أن هذا التحرش الجنسي  يؤثر على الضحايا سلبا من النواحي النفسية والجسدية فتتولد بداخلها أمراض نفسية وحالات اكتئاب وانطواء ويصعب الخروج منها، وتشعر بتأنيب الضمير وحاجتها الى الانتقام بأي شكل، وفي بعض الاحيان تلجأ بعض الضحايا من النساء الى الانتحار لتخليص أنفسهن، معتقدات أن الانتحار هو الوسيلة الأنسب لديهن لإنهاء مآسيهن.

 

13% من المعتدين هم من الأقارب

وأوضح طبيب نفسي رفض الافصاح عن اسمه، أن اكثر من 51 % من الحالات يكون المتحرش من الأقارب وبسبب الخوف وعدم التفهم العائلي لا يمكنهم الإفصاح، و13 % من حالات التحرش والاعتداءات الجنسية وقعت من قبل أقارب الدرجة الاولى و9 % من الزملاء، مؤكدا أن التحرش الجنسي آخذ في الارتفاع نسبيا مع مرور الوقت.

 

القانون لم يجرم التحرش

وبين المحامي أحمد الخطيب، ان القانون لم يجرم التحرش على انه جريمة منظمة بحد ذاتها بل قسم التحرش إلى عدة أقسام منها تحرش يعتبر هتك عرض، وبعض الأحيان التحرش عبر الاغتصاب، ولذلك أقر القانون عقوبة ولكنها تختلف على حسب نوع التحرش، ولم ينظم له باب مستقل بعنوان التحرش بسبب تعدد أشكال الجريمة، مطالبا بقانون حازم يوقف هذا النوع من الجرائم.

وبين الخطيب أن الاغتصاب أو هتك عرض يكون جناية والقانون جرمه في العقوبات الجنائية التي تكون العقوبة أشغالا شاقة أكثر من 3 سنوات، ويمكن للتحرش أن يكون جنحة في حالة مثل الفعل الفاضح العلني او الفعل المنافي للحياء العام وعقوباته تكون أقل من 3 سنوات.

نهاية القول إن التحرش تجاوز كل خطوط الآفة الاجتماعية، لأننا لا يمكننا التحكم به والسيطرة عليه بالشكل الكامل لأنه أصبح معقدا، فهو الآن ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع وأمنه بشكل كبير، ويجب اعتباره مشكلة اجتماعية وليس ظاهرة فردية يجب محاربتها بكل الوسائل لتوقف جروحاً عميقة في حياة النساء الفلسطينيات.

 

محمد عشاير

طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018