داعش لا يأتي من الخارج

12/23/2014

الإنسان ذو عقل صغير، وآية ذلك أنه قابل للبرمجة عن أيسر طريق. بسرعة يرمي المرء تفكيره الحيوي، ويخضع للبرمجة: يفتحون في أعلى رأسه فتحة ويضعون فيها محقانًا ويصبون فكرة جامدة، ثم يغلقون الفتحة. هذا النوع من التعصب رأيناه عند المستوطنين، وعند شبيبة هتلر (هتلر يوغند). فهؤلاء الشباب، وبعضهم كان في الخامسة عشرة من العمر، ظلوا يدافعون عن برلين والمدافع الروسية تحصدهم، وفي رؤوسهم الصغيرة أن الشعب الألماني أفضل شعب وأن الانتصار مؤكد. نرى الآن صور هؤلاء الصبية بشعورهم الشقراء، وهم يحملون رشاشات أثقل منهم، ونقول مساكين.

وأرى اليوم أولئك الشباب الملثمين الملتحين المسلحين، وأقول مساكين.الآيديولوجيا تعطيل للعقل. ولكن هناك أسبابًا أخرى هي الأساس: الفقر والظلم والوهم.هناك في غزة ناس يقتربون من الموت جوعًا. ويقع عليهم ظلم شنيع، يصل حد القهر. تصبح الحياة رخيصة، ويأتي الوهم ليمد يده المنقذة فيرفع الشاب الفقير المظلوم رأسه شامخًا، ويقول: بدل المقاومة والكفاح، أريد الانتقام من العالم.حل المعضلة الداعشية ليس أمنيًّا، بل اجتماعي.ليس داعش مرشحًا لأن يرسخ لنفسه قدمًا في فلسطين بأكثر مما كان القاعدة مرشحًا لذلك. وأما ذلك البيان القبيح الذي صدر بتوقيع داعش، ويصف الناس بالعاهرين والملحدين، فهو أشبه بالشتائم التي يتبادلها جبناء الإنترنت من دون أسماء. على أن الرصاصة التي لا تصيب تدوش. ومن حق المثقفين والإعلاميين أن يشعروا بالقلق والاشمئزاز من هذا التهديد الجبان.والحل اجتماعي. أن يقوم عندنا في فلسطين مجتمع تكافلي ليس معجزة. ولهذا النمط من المجتمع فائدتان: أولاً: أنه يجعل المجتمع أكثر ترابطًا وإخلاصًا في خوض المواجهة مع إسرائيل. نعم، ستختفي من الشوارع سيارات البي إم الجديدة، وسيقل الإقبال على المطاعم الغالية، ولكن الحياة ممكنة من دون هذه الكماليات. وثانيًا: النظام التكافلي يجفف مستنقعات الفقر المدقع، ويجفف التعصب. والحكومة الفلسطينية في الضفة مطالبة بأن تبدأ بنفسها. ونقتطف لها فقرة من مقال كتبه البروفسور روبرت وايد أستاذ الاقتصاد السياسي في المدرسة اللندنية للاقتصاد (اسمها مدرسة لكنها تمنح شهادة الدكتوراة): "أينما ذهبت، وجدت انتقادًا لأداء السلطة الفلسطينية، حتى رغم القيود الإسرائيلية المشددة. فنحو 70 % من دخل السلطة يذهب على هيئة رواتب. وأعضاء البرلمان والوزراء والرئيس كرماء جدًّا مع أنفسهم في الدفع، بالمقارنة مع معدل الدخل؛ ففي المتوسط يبلغ دخل هؤلاء 24 ضعفًا من معدل الدخل في فلسطين، وهذه من أعلى النسب في العالم، (النسبة في لبنان 15 ضعفًا، وفي بوليفيا 10 أضعاف، وفي السعودية 5 أضعاف، وفي الولايات المتحدة 5 أضعاف، وفي النرويج ضعفان فقط)". انتهى (عن لندن ريفيو أوف بوكس).في بلد ينتسب الحاكمون فيه إلى الثورة الفلسطينية، يتوقع المرء شيئًا مختلفًا. وليست لدي أرقام عن حماس وغزة، ولكن إعلام السلطة الفلسطينية تحدث كثيرًا عن مليونيرية غزة، ولا أكذبه.شتم المثقفون في فلسطين داعش بعدد كبير من المقالات والبيانات التي صيغت بلغة رنانة مليئة بالتشبيهات الرائعة، وبالكلام عن المقاومة والنضال. ويظل الحل، فيما نرى، التكافل. ولا بد من محاربة الجشع.الدين ليس المشكلة. عرفت عن جارتين عجوزين في القدس، واحدة مسيحية وواحدة مسلمة. كانتا تصومان في السنة شهرين وعشرة أيام. تصومان رمضان معًا، والأربعين المقدسة معًا، لمجرد الجيرة الحسنة. كان هذا قبل ثلاثين سنة.وهذا قمر جلال أبادي كاتب كلمات الأغاني لأفلام راج كابور (صاحب سنجام)، يضمن أغنياته كلمات عربية كثيرة، ومفاهيم إسلامية كأغنية "دم دم" من فلم شاليا "المخادع"، التي تقوم قوافيها على عبارتي حيا الله، وسبحان الله. وكاتب الأغاني هذا هندوسي، وكان يتعبد بقراءة القرآن، والإنجيل، وكتاب الغيتا السنسكريتي معًا.الدين ليس المشكلة. الجشع هو المشكلة، والفقر، والظلم. داعش ليس مرضًا جرثوميًّا، وإذا جاءنا، فلن يجيء من الخارج، بل سينبت داخلنا.

 

 عارف حجاوي

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018