"صار عنا سينما".. مقاومة مقدسية بحلة جديدة

12/21/2014

بالتزامن مع المقاومة التي باتت ممارسة يومية لأهل مدينة القدس المحتلة، وإدراكًا لأهمية المقاومة الثقافية، فقد أطلق عدد من المقدسيين المهتمين مهرجان "صار عنا سينما "للأفلام القصيرة في دورته الأولى، وكان العرض الافتتاحي للمهرجان في مدينة القدس في الثامن من تشرين الثاني الماضي في مسرح كلية هند الحسيني.

وتفتقر مدينة القدس إلى سينما، وليس المقصود صالة عرض، ومسرحًا، وشباك تذاكر، بل القصد هو أفلام الشباب المؤثرين والمتأثرين بمختلف القضايا التي يعيشها أهل القدس. ولأن القدس بيئة خصبة لصناعة الكثير من الأفلام الروائية، فقد كان لـ "صار عنا سينما" دور ريادي في بداية السينما في القدس حتى وإن كانت البداية مع ثلاثة أفلام قصيرة. وقد جاءت هذه الخطوة بعد ثلاثة عروض سابقة لأفلام عمل عليها  مجموعة شباب مقدسيين منذ عام 2011، إذ بدأ العمل على الأفلام القصيرة الصامتة، ومن ثم الوثائقية، وبعد ذلك الأفلام الروائية مثل "نص كعكة "و"إحكيلي عن القدس" اللذين عرضا في مدينة القدس العام الماضي. وحملت هذه الأفلام الهوية المقدسية، فقد تم تمثيلها وإنتاجها في القدس من قبل مخرجين وممثلين من القدس.

يوسف الصالحي منتج أحد الأفلام في المهرجان أكد أن الشباب المقدسي يحاول أن يخلق مساحة صغيرة ويخلق لها جمهورًا من القدس، وقد يمتد ويصل إلى مدى أوسع، ونعبر أمامه عن القضايا التي نعيشها في مجتمعنا ونحاول أن نعالجها سويًّا مع الجمهور. وبالرغم من كل ما تشهده مدينة القدس في الوقت الحالي، يتوجب علينا جميعًا الصمود والثبات أمام كل ما نتعرض له، وكلٌّ منّا يقاوم من المكان الذي يوجد فيه، ونحن نقاوم من خلال صناعتنا للأفلام.

 

"إطفي الضو"

ضم مهرجان "صار عنا سينما" ثلاثة أفلام قصيرة من إنتاج شباب مقدسيين، حملت معاني الهوية والثقافة المقدسية. أول هذه الأفلام كان فيلم "إطفي الضو" من إنتاج الشاب يامن أبو صبيح. وفكرة الفيلم  مستمدة من الواقع الذي نعيشه اليوم، في ظل التطور التكنولوجي الذي يسيطر علينا جميعًا، وقد يكون الفيلم واقعيًّا إلى درجة تستطيع أن تجد نفسك كإحدى الشخصيات الموجودة في الفيلم.

وقال أبو صبيح لـ "الحال" إن الفيلم يسلط الضوء على أسرة ينشغل جميع أفرادها بعالمه الخاص، ويعيش بمعزل عن الآخرين، مع أنهم يتواجدون في البيت نفسه، وخلال هذا الفيلم، ينطفئ الضوء على هذه العائلة لتبدأ المعالجة السينمائية لكل شخص على حدة، في محاولة لإعادة ترابطهم كما يجب أن يكون.

 

"صار الوقت"

وفي مقابلة أجرتها "الحال" مع الشاب يوسف الصالحي، منتج الفيلم الثاني "صار الوقت" والمشرف والمنسق العام للمهرجان، أكد أن هناك الكثير من التحديات والمخاوف التي تقف أمامنا كشباب مقدسي، نكتفي فقط بتجنبها والابتعاد عنها ونعجز عن حلّها. في فيلم "صار الوقت"، نحاول أن نقترب أكثر من الأمور الشائكة التي تحدد مصيرنا، وهذا الفيلم جاء ليخاطب المُشاهد ويجعله متيقظًا طوال الوقت، وقد يتذكر قصصًا مشابهة مرّ بها أثناء متابعته للفيلم.

وأضاف أن هناك العديد من المعيقات التي واجهتهم في إنتاج الأفلام، فمن المعروف في فلسطين عمومًا والقدس خاصة أنه لا توجد شركات إنتاج للأفلام، وهذا يشكل عائقًا أمامنا، بالإضافة لعدم توفر الدعم المالي والمعدات، ولكن في الوقت ذاته، نحاول أن نجعل الأمر وكأنه تحدٍّ لنا كي نصنع بما هو متاح أفلامًا بأبسط الإمكانيات المتوفرة. لذلك، فالإرادة هي أكبر داعم لنا في صناعة هذه الأفلام التي أصبحنا نستمدها من مسؤوليتنا تجاه متابعي العروض التي نقيمها سنويًّا.

وتابع الصالحي أن "السينما في فلسطين مرّت بمراحل مختلفة منذ القرن الماضي، ولها روادها ومؤسسوها، ولكن القصد من "صار عنا سينما" محاولة إعلاء صوتنا وأننا من خلال الأفلام سنعبر عن أنفسنا وعن القضايا التي توجد في مجتمعنا، وهذه مسؤولية تقع على عاتقنا بما أننا بدأنا بهذا الأمر، وعلينا أن نشبع الاحتياجات المختلفة لدى الأفراد والمجتمع".

 

"بونجورك يا جارة"

أما الفيلم الثالث، فهو "بونجورك يا جارة"، من إنتاج الشاب المقدسي أكرم دويك. والفيلم يتناول نظرة المجتمع الفلسطيني للأرملة التي غالبًا ما تضيف لها أعباءً ومعاناة، تشعرها أن كل من يحطيون بها يحاسبونها على تحركاتها وحياتها وتصرفاتها، من خلال ثلاث جارات فضوليات يحملن أفكارًا نمطية يصارعن من أجل معرفة قصتها.

وأضاف أن "الفكرة أتت من إيماني بأن المجتمع لا يتقدم بمعزل عن تصحيح مفاهيمه النمطية عن المرأة، ومحاولة مني بأن أعرض جانبًا آخر في حياة الفلسطينيين، وجاء تنفيذ ذلك سينمائيًّا من خلال (بونجورك يا جارة)". 

وتابع دويك: "نحن من المتابعين للعروض المسرحية التي تشهدها المدينة. وبالرغم من تباطئها، إلا أننا نحرص دائمًا على الحضور في المسرحيات التي تقام في القدس وفي محافظات أخرى، فالمسرح والسينما يتشاركان في العديد من الأمور، فهما يلفتان أنظارنا للكثير من التفاصيل، ونحاول أن نتبادل الآراء ووجهات النظر فيما شاهدناه. إضافة لأن الإخراج وكثيرًا من الأمور تختلف بين السينما والمسرح، لكن في المقابل لكلٍّ منّا رؤيته الخاصة، ونحّب أن تصل من خلال الصور الفنية، والمونتاج والمؤثرات البصرية والصوتية. نحن بحاجة للعمل للقدس وخدمة الهوية المقدسية وإيصال معاناتها بأبسط الطرق للآخرين، وكل ما تشهده مدينة القدس في الوقت الحالي يوجب علينا جميعًا الصمود والثبات، ونحن نقاوم من خلال صناعتنا للأفلام.

 

البعد عن السياسة

ناردين الشريف، وهي أحد المشاركين في المهرجان، رأت أن المهرجان جاء فرصة شبابية جيدة وجديدة للقدس، خاصة أنه لا توجد سينما في القدس، بالإضافة إلى أن طبيعة الأفلام التي تمس الحياة الاجتماعية بعيدة عن الحياة السياسية، في ظل وجود حالة من الاختناق السياسي والجو المشحون في القدس وأن مثل هذه الأفلام تنمي روح العمل الشبابي للقدس وتساعد في تطوره ونموه في ضل هذه الحالة من التشجيع والإنتاج.

من جانبه، أكد الشاب محمد عشاير، وهو من المشاركين في المهرجان أن هذه الأعمال التي يقوم بها الشباب المقدسي شجعت المساهمة في إثبات الجهود الفردية لدى الشباب في القدس، والتوجه نحو قضايا تثير الشارع المقدسي، وساهمت هذه الأفلام بشكل كبير في تطور تفكير الشباب المقدسي نحو دعم القدس في السينما والمسرحيات بالاستغناء عن الدعم الخارجي في ظل توافر الإرادة والقضية.

أنوار الخطيب

طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018