الانتخابات الإسرائيلية.. كيف تصبح فرصة لإسقاط نتنياهو؟

12/21/2014

مع بداية المعركة الانتخابية الجديدة، التي بادر إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والتي يبدو أنه أصبح نادمًا عليها، يتضح أن هنالك فرصة لأول مرة منذ سنة 2009، لإسقاطه، وربما إسقاط كل فكرة الالتصاق بحكومة يمينية متطرفة في إسرائيل. 

بالطبع، هذا الأمر ليس سهلاً، ويحتاج إلى إدارة معركة انتخابية ذكية وحكيمة، من كل الأطراف المؤثرة على المجتمع الإسرائيلي، داخليًّا وخارجيًّا. ولكنه في الوقت نفسه لم يعد مستحيلاً. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن التحالف الجديد بين حزبي العمل بقيادة يتسحاق هيرتسوغ، والحركة بقيادة تسيبي ليفني سيحصل على 24 مقعدًا، فيما الليكود برئاسة نتنياهو سيحصل على 23 مقعدًا. وإذا تمكن هذا التحالف من توسيع صفوفه قبل الانتخابات، وضم حزبي "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد و "كديما" برئاسة شاؤول موفاز، فإنه سيحصل على 35 مقعدًا. 

وهناك تفسخ لافت في معسكر اليمين، في أساسه نفور من نتنياهو وأسلوبه في إدارة شؤون الدولة. هذا التفسخ يفرز قوة جديدة برئاسة موشيه كحلون، وزير الاتصالات في حكومة نتنياهو السابقة، الذي بنى قوته على الأجندة الاقتصادية الاجتماعية، وعلى إنجازاته الكبيرة، خصوصًا نجاحه في تحطيم أسعار الهواتف الخليوية. ولأن كحلون معروف كأحد صقور اليمين، خرج ببرنامج سياسي يقربه من وسط الخريطة السياسية، إذ أعلن أنه "يمثل الليكود الحقيقي الذي تعرف عليه في شبابه عندما كان قائده مناحيم بيغن، الذي لم يتردد في التنازل عن أراضٍ في سبيل تحقيق السلام". 

ومن سمات التفسخ، خروج ليبرمان من التحالف مع الليكود في قائمة انتخابية واحدة. وليبرمان حرص في السنة الأخيرة على تحسين صورته في الغرب، وطرح مشروع سلام إقليمي تتم في إطاره تسوية القضية الفلسطينية. ومع أنه لم يتخل بعد عن مشروعه لضم منطقة المثلث إلى الدولة الفلسطينية مقابل المستوطنات، وهدفه من ذلك واضح، وهو التخلص من قرابة ربع مليون مواطن من فلسطينيي 48، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، إلا أنه يعتمد فيه على مبادئ مبادرة السلام العربية و"دولتان للشعبين".  

وبالمقابل، هناك تطورات إيجابية على يسار اليمين الإسرائيلي. فالمجتمع الإسرائيلي ما زال متمسكًا بعملية السلام. واستطلاع الرأي الذي أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ونشره في مطلع كانون الأول 2014، أشار إلى أن الغالبية الساحقة من المواطنين اليهود في إسرائيل تتبنى مواقف أكثر اعتدالاً وسلامية من الحكومة اليمينية ورئيسها. ومع أن هذه الغالبية تتهم السلطة الفلسطينية (48%) بالمسؤولية عن تجميد المفاوضات (فقط 9% يتهمون نتنياهو، والبقية يتهمون الطرفين على السواء)، إلا أن 59.1% (من اليهود) قالوا إنهم يؤيدون إجراء مفاوضات مع أبو مازن حول قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، مقابل 34.6% يفضلون استمرار الوضع الحالي. ويتضح أن الدافع لهذه الغالبية هو القناعة بأن "وحدة الإسرائيليين أهم لهم من وحدة البلاد". وتطرق الاستطلاع إلى موقف اليهود من قانون القومية، الذي يعتبر إسرائيل "الوطن القومي لليهود" ويخفض من مكانة مواطنيها العرب، فقال 64% من اليهود إن نتنياهو استهدف بالأساس إرضاء المتطرفين في اليمين، وفقط 28% قالوا إن دافعه هو تعزيز مكانة إسرائيل اليهودية. واعتبر 46.9% هذا القانون مضرًّا لإسرائيل.

وفي استطلاع آخر نشرته القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي، مع قرار حل الكنيست، قال 60% إنهم لا يرغبون في رؤية نتنياهو رئيسًا للحكومة مرة أخرى. وقد ذكر 34% أنهم يفضلون نتنياهو في رئاسة الحكومة "لأنه لا يوجد من هو أفضل منه وليس لأنه يصلح رئيسًا للحكومة". وفي استطلاع سابق، أعرب فقط 24% من الإسرائيليين عن رضاهم من سياسة نتنياهو. 

وقضية عدم وجود بديل هذه، كانت رائجة في إسرائيل طيلة السنوات الماضية كحقيقة ثابتة. تلقفها مساعدو نتنياهو وراحوا يكرسونها في الذهنية الإسرائيلية حتى اقتنع بها أشد خصومه. ولكن قرار نتنياهو جر إسرائيل إلى معركة انتخابية باهظة الثمن (تكاليفها 2 مليار شيقل)، فقط بعد سنتين من الانتخابات السابقة، أحدثت هزة كبيرة في الخريطة السياسية الإسرائيلية. وقد تحرك خصوم نتنياهو، في إسرائيل والخارج، ونشدد على الخارج، لتفجير فكرة "عدم وجود بديل" هذه. في الماضي، كان هؤلاء يفتشون عن جنرال سابق يتولى قيادة المعارضة لنتنياهو. فطرحوا اسم جابي أشكنازي، لكن خصومه بقيادة نتنياهو وإيهود باراك نبشوا ضد أشكنازي وورطوه في قضية جنائية. وقد تبين فيما بعد أنها قضية تافهة، إلا أنهم تمكنوا من حرقه قبل أن يخوض المعركة. والأمر نفسه فعلوه مع شخصيات أمنية أخرى مثل مائير داجان ويوفال ديسكين وقبلهما شاؤول موفاز، حتى سقطت الفكرة. فبحثوا عن شخصية نجومية مثل يائير لبيد، وأحرز مكسبًا كبيرًا (19 نائبًا) في الانتخابات الأخيرة، لكنه لم ينجح في هز نتنياهو وحرفه عن سياسته اليمينية المتطرفة. 

واليوم، يروجون لفكرة مضادة هي: ليس بالضرورة أن يكون البديل شخصية قوية تتحدث بلغة الحرب وغطرسة القوة، وليس بالضرورة أن يكون جنرالاً أو رئيسًا سابقًا لجهاز أمني، فقد يكون البديل الأفضل لإسرائيل اليوم في قيادة جماعية معروفة بنظافة اليد والروح القيادية المسؤولة، التي تعرف كيف تخاطب العالم وكيف تعالج القضايا الاقتصادية الاجتماعية. من هنا جاء التحالف بين هيرتسوغ وليفني، الذي يتمنون توسيعه ليشمل لبيد وموفاز. وبمجرد الحديث عن تشكيل اللبنة الأولى من هذا التحالف، جاء رد الفعل إيجابيًّا في الشارع الإسرائيلي عمومًا، وفي وسائل الإعلام بشكل خاص. والدليل على ذلك هو خروج نتنياهو بغضب وتوتر ظاهرين، متهمًا الصحافة الإسرائيلية بالتآمر عليه لإسقاطه.

لكن هذا كله لا يكفي لإسقاط نتنياهو، وإن تم إسقاطه شخصيًّا، فهذا لا يعني بعد أن فكرة الحكومة اليمينية قد تسقط. ولكي يحصل هذا، فهناك حاجة لعوامل كثيرة أخرى. فالمعركة الانتخابية في إسرائيل طويلة جدًّا، وتستغرق ثلاثة شهور، من الآن وحتى 17 آذار القادم. وخلال هذه الفترة، يمكن أن تحصل تطورات تغير الاستطلاعات وتقلبها في اتجاهات معاكسة ومتناقضة. فيكفي أن يقع انفجار عبوة ناسفة في تل أبيب –مثلاً- حتى ينقلب الشارع لصالح اليمين.

 

نظير مجلي

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018