أحوال أم الدنيا!

12/21/2014

(1)

سائقون

يستبقك سائقو المركبات العمومية في زحام القاهرة بسؤال عن جنسيتك، ويحرص معظمهم على سماع رأيك بما حصل في بلادهم من ثورات وثورات مضادة. كمثال، يعمل الأربعيني محمد فاروق سائقًا منذ سنوات، ويرى أن مصر تخلصت من عبء ثقيل كان يمسك بها، لكنه لا يخفي أن أحوال بلاده ما زالت تبحث عن طريق الرخاء والسلام، ويتمنى أن تعبر أم الدنيا محنتها وتعود إلى مجدها.

تفتح، قبيل الوصول إلى قلب ميدان التحرير، حوارًا مع سائق مُلتحٍ، وتترك الباب مفتوحًا أمام القفز عن أي سؤال قد يبدو صعبًا أو حساسًا بالنسبة له.

من أفضل، اليوم أم أمس؟

لا أعرف..

لو لم يحدث كل ما حصل ببلادكم، كيف ستكون حالكم اليوم؟

على الأقل، كنا سنوفر الكثير من الدم، والمال، والوقت.

ما الذي تحتاجه مصر؟

من يحبها.

هل تفكر في الهجرة؟

(يصمت) ولا إجابة.

هل أنت راضٍ عن الفلسطينيين؟

نعم، لكن بعضهم تدخل في شؤوننا.

كيف هو إعلام مصر بعد الثورة؟

للأسف، بعض الصحافيين مثل الفطير المشلتت (الحلوى الشهيرة في مصر)، وبعضهم بيئة (سيئون باللهجة المصرية).

ماذا ستفعل يوم 25 يناير؟

سأقود مركبتي، وأبحث عن العيش لعيالي.

ما الحل لمصر؟

أن تمتد على كل أرضها.

 

(2)

شباب

يفرد شبان قريبًا من (الحسين) المنطقة الأكثر صيتًا وتاريخًا في القاهرة بضائعهم، وينشط آخرون في تجارتهم المتنقلة. يلحق بك أحدهم بهدف إقناعك بشراء تحفة سياحية بسعر زهيد، وسرعان ما تدخل إلى مقهى الفيشاوي، تشاهد وجوهًا من جنسيات مختلفة، وتنحاز لفتح حوار مع شبان مصريين. يرتب لك أحمد، المعجب بالنادي الأهلي، والمفتون بالنجم البرتغالي (كرستيانو رونالدو)، أولوياته: شغل، شقة تمليك، بنت حلال، أمن وهدوء. ويقول: الأمن أولاً. فيما يعيد إبراهيم ترتيب أولوياته بالمصرية الدارجة: (عزبة، وعربية- سّيارة-، وعروسة).

 

(3)

انفجار سكاني

يصمد مقهى "جروبي" وسط القاهرة دون ترميمات أو ديكور، ويتمسك أصحابه بالتقليد والحفاظ على روح الماضي، فيتخيل الجالس أنه في سبعينيات القرن الفارق. تحاور مضيفتنا الأربعينية شرويل، التي تكمل دراستها العليا بعلم الاجتماع في جامعة بريطانية، وتسألها عن الطريق التي تذهب إليه بلادها، فترد: لا أحد يعرف جوابًا، ولكن الأغلبية الوطنية ترفض "الإخوان" بأي حال وصيغة.

تدعم شرويل سياسة الفريق السيسي الاقتصادية في إزالة الدعم عن السلع، وتتمنى أن يدخل المزيد منها لحل أزمة مصر. وتضيف: القاهرة تتضخم، وعشنا أزمة كهرباء هذا الصيف، وعندنا كل شيء يصير مشكلة. فخلال حظر التجول، ارتفع عدد السكان، وحين انقطع النور تضاعف العدد أيضًا. والأحياء التي كانت جديدة في القاهرة، انتقلت إليها الزحمة. الزيادة السكانية في بلادنا معضلة بحد ذاتها.

 

(4)

تعليم وأرقام

يعمل العم وحيد سائقًا لعربة نقل سياحية يجرها حصان، وينشط في قلب عجائب الدنيا السبع (أهرامات الجيزة)، ويسكن بجوار نزلة السمان المجاورة، وهو حي شعبي فقير، وترتفع فيه شعارات تطالب السلطات بعدم إزالته أو تنظيمه.

يقول: أعمل لأعيش وأعلم أولادي، ولا أفكر إلا في شهادتهم. الأبناء اليوم دون علام (شهادة) لا يساوون شيئًا. وأدفع معظم ما أجمعه من السياح للمدرسين الخصوصيين. ويحصل كل نفر منا على كوبون من الجمعية بـ22 جنيهًا في المرة الواحدة (الجنيه يعادل نصف شيقل تقريبًا)، ونستلم الأرز والسكر والزيت.

يرسم العم وحيد لوحة لأسعار بلاده: كيلو اللحم بـ (90 جنيهًا)، والتفاح بـ(12)، والموز بـ(6)، وكل ثلاثة أرغفة من العيش بجنيه واحد، ولتر الكاز بجنيه ونصف الجنيه. ويبدأ عداد (السرفيس) بجنيه ونصف الجنيه. ويحصل موظفو البنوك مثلاً على 4 آلاف جنيه تقريبًا، ويقل أجر المدرسين الجدد عن هذا المبلغ بنحو النصف. لكن سعر وجبة سمك لشخص واحد في مطعم بمنطقة المهندسين يكلف قرابة 200 جنيه. ويساوي ثمن وجبة سريعة في حي الزمالك نحو 40 جنيهًا. والأغرب، ما نشاهده من إعلان عن تخفيضات في أسعار المقابر والترب، بدءًا من 50 ألف جنيه للواحدة منها!

 

(5)

إعلام

تستمع لإذاعات مصرية حكومية وخاصة، وتقرأ عناوين الصحف الرئيسة، بعد يوم واحد من تبييض صفحة الرئيس مبارك، فتجد فيها انسجامًا كبيرًا مع موقف الحكومة. وتنحاز وسائل أخرى في اليوم ذاته لتناول قضايا اجتماعية وعاطفية. فيما تخصص غالبية الإذاعات حيزًا للتذكير بأحوال الطرق المغلقة والسالكة، وتستعرض تطورات الطقس وشؤون الشبورة (الضباب). ولا توفر إذاعات أخرى فرصة دون مهاجمة حقبة الإخوان. وينتشر في الطرقات التقويم السنوي للعام القادم، تعلوه صور الرئيس السيسي بزي عسكري.

 

(6)

جغرافيا

لا يبالي، فؤاد، الموظف في فندق راق بالقاهرة بجغرافيا مدينته، ولا يعرف عدد سكانها بالتحديد. لكنه يقول: هي كبيرة جدًّا، وحي مثل العجوزة يعادل عدد سكان الأردن. والعاصمة تتضخم، وما يزيدها كثافة حركة العمال والموظفين القادمين من المحافظات الأخرى، وتتجلى الأزمة بداية الأسبوع ونهايته ذهابًا وإيابًا.

 

(7)

سوريا

تحاور على عجالة الإعلامية السورية زينة اليازجي، تسألها من قلب القاهرة عن أحوال بلادها الجريحة، فترد مستعيرة عبارة الفنان دريد لحام: الحل في سوريا مرهون باتفاق الأطراف الخارجية عليه. تضيف: لم يبق أحد على موقفه في سوريا، فمنذ بداية الأزمة تغيرت المواقف وتبدلت القناعات وخريطة التأييد والمعارضة.

تقول اليازجي، المذيعة اليوم في قناة "سكاي نيوز": إن أصعب موقف تمر فيه خلال تجربتها الإعلامية كان تحرش وزير الإعلام الإخواني صلاح عبد المقصود فيها خلال حوار على قناة "دبي"، عبر سؤال حمل إيحاءات جنسية. وتزيد: كان أمرًا مدبرًا ومقصودًا من الوزير، ودلل على حقيقة الإخوان. في المقابل، اعتبرت اللقاء اللاحق مع الرئيس السيسي أكثر تمدنًا.

 

(8)

جامعة عربية

تشارك في مداولات الفريق العربي الفني لإقرار الإستراتيجية العربية الإعلامية، وتستمع إلى توصيف الأمين العام المساعد لشؤون الإعلام السفيرة هيفاء أبو غزالة حول الإعلام وتحدياته، وخاصة بعد الثورات العربية، فتقول: إن الجامعة ستطلق قناة فضائية إلكترونية، لأهمية الإعلام الجديد والاستفادة من تقنياته.

بدورك، تطرح تساؤلاً حول واقعية تجاوز الإعلام الخاص من الإستراتيجية، في وقت يعيش الإعلام الرسمي تراجعًا وأزمات، ويعجز عن منافسة الإعلام الخاص. يطول النقاش، ويتشعب، وتقترح أن تستفيد الإستراتيجية -مدار العرض- من تجارب عربية ناجحة، وجهود الإعلام الخاص، وفتح نوافذ التعاون مع المؤسسات والمراكز الإعلامية المتخصصة، التي تنشط وتنافس وتحقق تقدمًا.

عبد الباسط خلف

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018