عابود جنة بلا راع

08/08/2012

كم هي بلادنا غنية بالكنوز البيئية والطبيعية والتاريخية القيمة، اشجار الزيتون وشقائق النعمان، معطرة برائحة الليمون والزعتر، عابود مدينة الزهور ذات الطبيعة الخلابة وحاضنة لتاريخ عريق يعود الى عهد الرومان والتي تبعد عن مدينة رام الله (30) كم، وصفها ياقوت الحموي في معجمه بأنها من المدن ذات الطبيعة الخلابة تقع غرب مدينة بيت المقدس.

بعد الاستمتاع بمناظر اشجار الزيتون وشقائق النعمان الخلابة برفقة وزارة الاعلام وكل من وكيل وزارة الاعلام والسياحة والسفر و الباحث في شؤون النباتات والحياة البرية وعدد من الاعلامين والصحفيين ،وصلنا الى وادى معطر برائحة الليمون والزعترعلى بعد 1كم شرق قرية عابود يدعى " وادي الليمون" اشار بنان الشيخ الباحث في علم النباتات في جمعية حماية البيئة عنه بأنه وادى مشتهر بالليمون وأشجار الحمضيات، وأضاف أن اهمية هذا الوادي تكمن في نمو النباتات البرية النادرة فيه كنبتة "لسان الحمل الكبير" ،" والزعتر" ، ونبتة "غاشية" ،" وغاشية الليل" النادرة والوحيدة في فلسطين التى لا تنمو إلا في عابود.

وشدد د. بنان على ضرورة الحفاظ على الثروات النباتية والبرية في عابود، كونها حاضنة لعدد من النباتات البرية والمائية النادرة وعلى الاهتمام بوادي الليمون، بزراعة المزيد من الاشجار الحمضية التى اضمحلت نتيجة قلة الاهتمام بها، وقلة وفرة المياه الواصلة اليها. ينبع من هذا الوادي عين نقية تدعى عين الزرقاء، تنتج يوميا اكثر من 150 متر مكعب من الماء الصافي التى لم يصل اليها الزحف العمراني بعد، واد يشعرك بتاريخ عريق يعود الى الالف السنين من خلال طريقها المزروع باشجار الزيتون ، ينعشك برائحة اشجار الليمون والزعتر.

في عين الزرقاء شرح د- حمدان طه وكيل وزارة السياحة والاثار عن مدينة عابود التى اكتسبت اسمها الحالي نسبة الى كنيسة "مار عوبادية " الاثرية التى تقع وسط بيوتها، وكانت تدعى قديما عدة اسماء من ضمنها "تمنة " أو "تمنة سارح او حارس " وهي بلد النبي يشوع بن نون ( خليفة النبي موسى ) ويقال انه عاش في المدينة ودفن فيها حسب ما ذكر بسفر يشوع. ثم عرفت بقرية "ستي مريم " او "القديسة مريم" نسبة الى كنيسة مريم العذراء العابودية ثم سميت " بمدينة الزهور " نسبة الى جمال طبيعتها الخلابة والى العديد من الزهور التى تنمو في اراضيها الخصبة.

واضاف د. حمدان عن اهمية قرية عابود الاثرية ، حيث تضم 9 كنائس اثرية من ضمنها؛ كنيسة القديسة بربارة ،وكنيسة مارعوبادية ، وكنيسة العذراء مريم (العابودية ). حيث دمر معظمها نتيجة عدة عوامل، سياسية، ومناخية، وحضارية، ولم يبقى سوى بضع كنائس. كما يقع فيها موقع عابود بين شمال وجنوب فلسطين حيث اعتبر قديما موقعا استراتجيا هاما باعتباره ممرا لقوافل الطرق التجارية الرومانية، ومازالت يقايا اثارها من خلال الاحجار الصغيرة التى تتكون منها الطريق، كما يقع قيها منطقة المقاطع.

ويلتف حول مدينة عابد شارع استيطاني كبير يوصل بين مستوطنات بيت أرييه (1980) وعوفاريم (1982) ونيفيه يائير(2001)، التي أقيمت على أراضي عابود، وتلك المستوطنات تقوم على السيطرة على الينابيع الثمانية والعيون الجارية بمنطقة عابود، والتى تتفرع من وادي الليمون من ضمنها، عين الزرقاء حيث تحرم تلك المستوطنات أهالي عابود من الاستفادة من تلك المياه وذلك من خلال السيطرة على المياه والقيام بتحويلها إليهم.

وأشار وكيل وزارة الاعلام الدكتور محمود خليفة إلى تلك الممارسات الخطيرة التى تهدد قرية عابود، بحرمان مواطنيها من الاستفادة من ينابيع القرية والتي من ضمنها عين الزرقاء حيث مياها قليلية نتيجة قيام المستطوطينين يتحويلها اليهم. كما شدد على ضرورة تفعيل دور وزارة الاعلام في توعية المواطنين على اهمية مناطق فلسطين، لا سيما المناطق التاريخية والمهمشة من خلال برامجها التثقيفية، كما شدد على ضرورة تفعيل دور الاعلام في التثقيف البيئي والحضاري من خلال عمل العديد من البرامج البيئية والثقافية تتناول تلك القرى والمناطق المهمشة بفلسطين.

بعد ذلك قمنا بالتوقف على منطقة تسمى المقاطع او ( قطع الحجر )، يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي، فيها قبور كثيرة ذات احجام مختلفة تشبه مدينة البتراء في الأردن، والتي سميت تلك المنطقة المقاطع نسبة الى القطع الصخرية الموجدة بها، حيث كانوا الرومان قديما يقتطعون من تلك الصخور ويصنعون منها قبورا صخرية، أكلة اللحوم يدفنون بداخلها الاموات لمدة من الزمن، حتى تتحلل الجثة ثم يقومون بنقل العظام الى تابوت خاص بالعظام والقيام بدفنها، اما الاغنياء فكانوا يضعون الجثث داخل تلك الصخور في مغر خاصة. وفي تلك المنطقة مكان عال مرتفع جدا عن المنطقة، يعتقد حسب التقليد القديم ان السيد المسيح عليه السلام اثناء مروره بقرية عابود كان يجلس في ذلك المكان المرتفع ليُعلم الناس، حيث بنيت على هذا الموقع كنسية قديمة تدعى بكنسية "المسايا" والتى تعني المسيح، وتعتبر من اكبر الكنائس الاثرية بعابود الا انه لم يبقى من بقاياها الكثير، نتيجة شق الشارع الرئيسي الذي يمر بوسطها وإقامة المقابر فيها.

بعد الاستمتاع بذلك التاريخ الصخري العريق، قمنا بالوصول الى كنيسة القديسة بربارة، وتقع على رأس غربي بيوت البلدة القديمة، تظهر فيها بقايا كنسية وكهوف ومعاصر عنب، على سطح تلك الكنسية المرتفع قام ابراهيم فوزي احد المرشدين السياحين بعابود بشرح تاريخ تلك الكنسية المقدسة، حيث ان إحدى هذه الكهوف واهمها كانت سجنا للقديسة بربارة، وضعها بداخلها والدها الذي سجنها واضهدها ومن ثم قتلها لاعتناقها الديانة المسيحية، تم المحافظة على هذا الكهف وبني جزءا منه ليصبح مزارا تضاء فيه قناديل المعبدين والمكرمين لهذه القديسة المشهورة حيث تحتفل بعض الطوائف المسيحية بعيدها في (17) كانون الأول من كل عام، من خلال تنظيم مسيرات دينية احتفالية وشعبية. واضاف فوزي ان قوات الاحتلال وبحجة امنية كاذبة قامت بمداهمة وتدمير هذا الكهف المقدس بتاريخ 31-5-2002 اثناء عملية اجتياحها للمناطق الضفة الغربية. وبنهاية تلك الرحلة الغنية وصلنا الى كنسية "العذراء مريم العابودية" وقال الاب طلعت عواد راعي كنسية الروم الارثوذكسية: "يقال أن الملكة هيلانة هي التي بنت هذه الكنيسة بنفس الفترة التي بنيت فيها كنسية القيامة والمهد في القرن الرابع، لذا فهي تعتبر اقدم واهم كنسية بعابود". وانتهت رحلتنا والتي هي في الحقيقة بداية وليست نهاية لمحاولة الدعوة إلى رعاية والاهتمام والتكثيف من الزيارات الاطلاعية لتلك المناطق الأثرية التي تجسد لنا تاريخا عريقا مرت به فلسطين.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018